في الحروب الكبرى، لا يوجد طرف يدخل المعركة وهو يملك ضمانات كاملة للنصر أو للهزيمة. الجميع يقاتلون على أساس الاحتمالات، والجميع يدفعون أثماناً مختلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. ومع مرور الوقت، قد يصبح الحديث عن حجم الخسائر أقل أهمية من السؤال الحقيقي: كيف ستبدو المنطقة بعد انتهاء الحرب؟ وفي لبنان تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن نتائج المواجهة الإقليمية ستنعكس مباشرة على التوازنات الداخلية وعلى شكل النفوذ الخارجي في البلد.
Advertisement
السيناريو الأول يقوم على نجاح بنيامين نتنياهو في فصل جبهة لبنان بالكامل عن جبهة إيران، عبر الوصول إلى تفاهم أميركي إيراني لا يتناول الساحة اللبنانية بشكل مباشر. في هذه الحالة، سيكون حزب الله أمام واقع شديد الصعوبة، لأن أي تسوية لا تمنح الحزب غطاءً إقليمياً واضحاً ستؤدي تلقائياً إلى زيادة الضغط الداخلي والخارجي عليه. عندها قد يتحول لبنان عملياً إلى ساحة نفوذ أميركي كاملة، سواء عبر السياسة أو الاقتصاد أو حتى من خلال إعادة تشكيل الأولويات الأمنية في البلد. وهذا السيناريو سيعني أن الحزب سيكون مضطراً إلى خوض معركة مختلفة تماماً عنوانها الحفاظ على موقعه الداخلي لا أكثر.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط بإمكانية تعرض إسرائيل لخسائر فعلية ومؤلمة، سواء عسكرياً أو اقتصادياً أو حتى على مستوى الاستقرار الداخلي، ما يدفعها إلى وقف الحرب أو القبول بتفاوض يؤدي إلى وقف إطلاق نار يشبه ما جرى بعد حرب تموز عام 2006.
في هذه الحالة، سيحاول حزب الله تقديم نفسه على أنه نجح في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها، لكنه سيكون أمام تحدٍّ كبير يتعلق باستعادة قوة الردع بالكامل. فالحرب الحالية مختلفة عن أي مواجهة سابقة، والبيئة الإقليمية تبدلت، كما أن حجم الضغوط الدولية على لبنان لم يعد كما كان قبل سنوات.
السيناريو الثالث والأكثر حساسية يتمثل في نجاح إيران بانتزاع تسوية شاملة تشمل لبنان بشكل واضح ومباشر. هنا ستكون طهران قد كرّست نفسها كقوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص الشرق الأوسط. والأمر لن يقتصر على النفوذ السياسي فقط، بل سيتحول إلى فائض قوة إقليمي ينعكس على لبنان والعراق وسوريا وحتى ملفات أخرى في المنطقة.
وعندها سيكون لبنان أمام مرحلة جديدة بالكامل، عنوانها تثبيت توازنات مختلفة عما عرفه خلال السنوات الماضية.
من غير المعلوم أي من هذه السيناريوهات أقرب إلى التحقق، لكن المؤكد أن شكل لبنان بعد الحرب لن يشبه ما كان قبلها، مهما كانت النتيجة النهائية.













0 تعليق