هذا التصعيد لا يمكن وضعه في خانة الحرب الشاملة بعد، لكنه في الوقت نفسه تجاوز بكثير نمط الاشتباكات المحدودة التي سادت في الأيام الماضية. عملياً، نحن أمام مستوى وسط بين حرب مفتوحة ومعارك منخفضة الوتيرة، حيث تتسع دائرة الاستهدافات بشكل ملحوظ.
اللافت في هذا السياق أن الإنذارات المسبقة لم تعد محصورة بمناطق محددة، بل باتت تطال غالبية قرى شمال نهر الليطاني، مع تسجيل ضربات قاسية سقط فيها عدد كبير من الشهداء. هذا التحول يعكس قراراً إسرائيلياً برفع سقف الضغط الميداني، ليس فقط لردع أي عمليات عسكرية، بل لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الأرض وفرض واقع أمني جديد.
لكن اختزال هذا التصعيد في كونه رد فعل مباشر على عمليات "الحزب" يبقى قراءة ناقصة. فالمشهد أوسع بكثير، ويرتبط بشكل وثيق بمسار التفاوض الإيراني–الأميركي الذي يبدو أنه دخل مرحلة التعثر.
المؤشرات الآتية من أكثر من قناة توحي بأن الوقت لم يعد مفتوحاً، وأن هوامش المناورة تضيق أمام كل الأطراف، ما يدفع إلى استخدام أوراق الضغط الميداني بشكل أكثر كثافة.
في موازاة ذلك، يبرز عامل اقتصادي ضاغط يتمثل في الارتفاع السريع لأسعار النفط، وهو ما يضع الإدارة الأميركية أمام تحدٍ إضافي. فكل تأخير في حسم المسار، سواء عبر تسوية دبلوماسية أو عبر تصعيد محسوب، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.
ومع اقتراب استحقاقات دولية كبرى، من بينها كأس العالم، يصبح عامل الوقت أكثر حساسية بالنسبة لواشنطن التي لا تملك ترف الانتظار الطويل.
ضمن هذا المشهد المعقد، يبرز احتمال تحول استراتيجي في قواعد الاشتباك، خاصة إذا ما استمر إغلاق أحد الممرات البحرية الحيوية، اي مضيق هرمز. وهذا ما يجعل الولايات المتحدة أقل التزاماً بأي تفاهمات سابقة مع إيران بشأن تهدئة الجبهة اللبنانية، ما يعني عملياً تآكل الاتفاق غير المعلن بين الطرفين بوتيرة متسارعة.
بناءً على ذلك، يبدو أن لبنان دخل مرحلة شديدة الخطورة، حيث تختلط الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية، وتتحول الجبهة الجنوبية إلى ساحة اختبار لإعادة رسم التوازنات. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي خطأ في التقدير كفيلاً بدفع الأمور نحو انفجار أكبر، قد لا يبقى ضمن حدود الاشتباك المضبوط.












0 تعليق