هذا ما هو أخطر من الحـ/ـرب

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
غريب أمرنا نحن اللبنانيين. فقد اعتدنا على الحروب عبر تاريخنا. عشنا حروبًا أهلية، واجتياحات، واعتداءات، وأزمات أمنية متلاحقة، ودفعنا أثمانًا باهظة من دمنا وبيوتنا وأرزاقنا، ولا نزال. لكن، وعلى رغم قساوة هذه الحروب، بقينا مؤمنين، كما بعد كل تجربة وسقطة، بأن بلدنا سيقوم من جديد، خصوصًا أننا نؤمن ايمانًا عميقًا بأن القيامة لا بدّ آتية بعد الجلجلة. كنا نختبئ في الملاجئ عندما يشتّد القصف العشوائي. كنا ننتقل من منطقة إلى أخرى. نخسر بيوتنا، لكننا كنا في كل مرّة نعود لنعيد بناء ما تهدّم، لأننا نؤمن بأن الحياة أقوى من الموت مهما تعدّدت أسبابه. لكن في هذه الحرب اختلفت المقاييس وانعدمت الأوزان واختلت الموازين. من منّا لا يعرف كيف بدأت فيما القليل منّا يعرف كيف ستنتهي، إن انتهت على خير وسلامة. فما كان يحرّك دوافع البقاء والصمود لم تعد كما كان من قبل، وذلك لأن "اللعبة" قد أصبحت أكبر منّا جميعًا، حتى أكبر ممن كان حتى الأمس القريب يدعو إلى رمي إسرائيل في البحر.
أما اليوم، فالوضع مختلف. الحرب لم تعد وحدها ما يخيف اللبنانيين، بل المستقبل المفقود والمجهول. ولهذا السبب بالذات، هاجر قسم كبير منّا إلى ديار الله الواسعة. ولهذا السبب أصبح ثلث الشعب اللبناني نازحًا ومن دون مأوى أو ملجأ، ومن دون مستقبل. وهذه الهجرة إلى الخارج، وتلك الهجرة إلى الداخل، اللتان يشهدهما لبنان اليوم هما أخطر بكثير من الحرب بحدّ ذاتها.
في الحرب، يخسر البلد حجرًا، أما في الهجرة فيخسر بشرًا. في الحرب تُدمّر بيوت، أما في الهجرة فتُفرغ بيوت. في الحرب يسقط شهداء، أما في الهجرة فيسقط الأمل.
الهجرة ليست هجرة المغامرين ولا الباحثين عن الثراء، بل هجرة الخائفين على أولادهم، وهجرة المتعلمين، وهجرة الأطباء والمهندسين والأساتذة والطلاب. إنها هجرة الطبقة التي تبني الأوطان، لا الطبقة التي تعيش على ظهر الأوطان.
أخطر ما في هذه الهجرة أنها صامتة. لا ضجيج فيها، ولا صور دمار، ولا نشرات أخبار. فقط مطار امتلأ بدموع الوداع. أمهات يبكين بصمت، وشباب يحملون حقائبهم ويقولون إنهم سيعودون، وهم في داخلهم يعرفون أنهم قد لا يعودون.
لبنان اليوم لا ينزف فقط على الحدود، بل ينزف في كل مكان من العالم التجأ إليه اللبنانيون، وفي مراكز الايواء في العاصمة أو في الجبل أو في الشمال.
ولا يخسر فقط أرضًا مهددة بالاحتلال، بل يخسر عقولًا هاجرت، وكرامة تُهان خارج البيوت والأرزاق.
فلبنان اليوم، كما الأمس، لا يواجه فقط حربًا عسكرية، بل يواجه حربًا أخطر، وهي حرب تفريغ البلد من شبابه.
التاريخ يقول إن الأوطان يمكن أن تنهض بعد الحروب، ويمكن أن تُبنى من جديد بعد الدمار، لكن المشكلة الحقيقية تكون عندما يهاجر الناس. فالحجر يمكن تعويضه، أما الإنسان فلا يُعوّض بسهولة.
ولهذا، قد لا تكون المشكلة الكبرى في أن لبنان مهدد بحرب لا أفق لها ولا حدود، بل في أن لبنان مهدد بأن يصبح بلدًا بلا شباب، بلا طاقات، بلا مستقبل. وعندها لا يعود السؤال كم خسر لبنان في الحرب، بل كم خسر لبنان من أبنائه. الحروب تدمّر الأوطان، لكن الهجرة تفرغها. والأوطان الفارغة لا تحتاج إلى حرب لكي تسقط.
صحيح أن لبنان عرف موجات هجرة كبيرة خلال الحرب الأهلية، ولا سيما الهجرة المسيحية إلى كندا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا، وكانت في مراحل كثيرة الأكثر كثافة، وذلك لأسباب عديدة، منها وجود جاليات لبنانية سابقة في هذه الدول، وسياسات الهجرة المفتوحة، والخوف الذي عاشته مناطق كثيرة خلال سنوات الحرب الطويلة. وقد تركت تلك الهجرة أثرًا ديموغرافيًا واضحًا لا يزال لبنان يعيش نتائجه حتى اليوم. لكن الهجرة التي تحصل اليوم، وهي داخلية، مختلفة تمامًا عن الهجرة التقليدية إلى خارج الحدود الجغرافية. في الحرب الأهلية كان اللبناني يهاجر لينجو بحياته. أما اليوم فهو يتمنى أن يهاجر لأنه لا يرى حياة في لبنان.
أكثر ما يؤلمني في هذه الأيام ليس ما يصل إلى مسامعنا من أخبار مقلقة ومحزنة، بل ما اسمعه من أصدقاء لي يقولون: "نيالك ظمتت". هم لا يدرون أن ما نعيشه في غربتنا قد يكون أقسى بكثير مما يعيشه أهلنا في وطن الغربة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق