Advertisement
لكن، ماذا عنّا، نحن البارعين في إضاعة الفرص، هل نلتقط هذه الفرصة الآتية من الرب؟ هل ترتقي إرادتنا إلى مستوى رسالة الأب الأقدس، فنتحّد، مسلمين ومسيحيين، حول حماية وطننا من رياح الانقسام ونيران الإقليم؟ أم نمضي، ما بعد الزيارة، نحمّل بلدنا أثقال الانقسامات التي كبّدت ذواتنا أوجاع الحروب وأثقال الأزمات؟هل نعي أهميّة الرسالة التي ينقلها الإعلام الأجنبي عن بلدنا على هامش تغطيته لزيارة الحبر الأعظم؟
الفرصة التي تجسّدها زيارة الحبر الأعظم إلى وطن الأرز، تبدو مزدوجة في بُعدَيها الروحي والسياسي. فأهميّة الحدث لا تقتصر على مكانة الزائر وما يحمله من دعم معنوي استثنائي، بل تمتدّ إلى الزخم الإعلامي الضخم الذي يرافق الزيارة، حيث سُجّل أكثر من 1300 إعلامي من كبريات الوسائل العربيّة والدوليّة، لتغطية هذا الاستحقاق التاريخي. هذه المواكبة الإعلاميّة الواسعة قادرة على تقديم صورة مغايرة عن لبنان، تتجاوز مشاهد الانهيار والحروب التي طبعت اسمه في الخارج، لتكشف عن موطن للعيش المشترك، وفضاء للحوار بين الأديان، ونموذج حضاري، وبلد قادر على النهوض، محبّ للسلام. من هنا تبرز أهميّة استثمار التغطيّة الإعلاميّة العالميّة الواسعة المرافقة للزيارة البابويّة، وتحويلها من مجرّد محطّة بروتوكوليّة وساعات احتفاليّة، إلى فرصة استراتيجيّة لإعادة صياغة الرواية الدوليّة عن لبنان.
ويأتي إصرار البابا على لقاء شباب لبنان ليجسّد أبلغ رسالة يمكن أن يلتقطها الإعلام العالمي، عن جيل ما زال متمسكًا بأرضه رغم التحديات، يتطلع إلى المستقبل، ويرفض الخضوع لخطاب الهجرة واليأس. فمشهد آلاف الشباب يحيطون بالحبر الأعظم، لن يكون مجرّد لحظة عاطفيّة، بل مادّة إعلاميّة قادرة على كسر الصورة القاتمة التي التصقت بلبنان، وإبراز حقيقة بلدٍ لا يزال ينبض بالحياة، غنّي بطاقات شبابية، تستحقّ العيش بسلام وأمان.
في البعد الدبلوماسي، يمكن للزيارة، إذا أحسن لبنان توظيفها، أن تتحوّل إلى رافعة دبلوماسية حقيقية تعيد وضع قضيته على خارطة الاهتمام الدولي. فالفاتيكان، وإن كان لا يملك القدرة على وقف الآلة العسكريّة الإسرائيليّة، لكنّه يتمتع بنفوذ معنوي ومؤثّر داخل دوائر القرار العالميّة، وهذا الوزن الروحي والسياسي يتيح له أن يدفع باتجاه تخفيف الضغوط على لبنان،وتضييق هامش التصعيد في لحظة حساسة ودقيقة.
غير أنّ البناء على مفاعيل زيارة الحبر الأعظم وتحويلها إلى نتائج ملموسة، لا يمكن أن يتحقق من دون إرادة لبنانيّة جامعة، تلاقي الجهد الذي يبذله البابا، بمبادرة محلّية موازية ،تقوم على تجاوز الانقسامات والابتعاد عن الحسابات الضيقة، والعمل على تحصين لبنان من المشاريع العدوانيّة. فمهما بلغ حجم الدعم الدولي، يبقى بلا جدوى إذا ظلّ الداخل مأزومًا بخلافاته، أو مرتهنًا لأجندات شخصيّة وإقليميّة، تُضعف الدولة، وتجعل من لبنان ساحة لتصفية الصراعات على أرضه.
إنّ استثمار هذه اللحظة التاريخية، يفرض علينا الارتقاء إلى مستوى الرسالة التي حملها البابا لاوون الرابع عشر من الفاتيكان إلى لبنان، فهل نتلقّف اللحظة التاريخيّة، ونُثبت أنّنا قادرون على تحويل الدعم المعنوي البابوي إلى فعل نهوض حقيقي؟











0 تعليق