.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ساحة مفتوحة للجميع، يحمل فيها كل مواطن هاتفًا يمكنه من نقل صورة أو مقطع فيديو أو تعليق يصل في ثوانٍ إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص. ومع هذا التطور ظهرت ظاهرة “المنشن” للجهات الحكومية المختلفة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، التى تقوم بدور وطنى عظيم فى المحافظة على الامن العام ومحاربة الجريمة والخروج على القانون ظننا بانها وسيلة سريعة للفت الانتباه إلى مشكلة أو مخالفة أو تصرف سلبي يحتاج إلى تدخل.
ولا أحد ينكر أن لهذه الظاهرة فوائد عديدة، فقد ساهمت في كشف بعض المخالفات، وساعدت المسؤولين في الوصول إلى مشكلات لم تكن لتظهر بهذه السرعة، ورسخت مفهوم المشاركة المجتمعية في حماية الوطن والحفاظ على النظام العام. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل أصبح المنشن هو الحل الوحيد؟ وهل ندرك حجم التأثير الذي تتركه منشوراتنا على صورة مصر أمام العالم؟
كثيرون يكتبون وينشرون بدافع الغضب أو الرغبة في الإصلاح، او لسرعة حل المشكله وهو أمر مفهوم ومطلوب، لكن ما يغيب عن البعض أن ما يُنشر على منصات التواصل لا يبقى داخل حدود مصر، بل يصبح متاحًا للعالم بأسره. فهناك مؤسسات ومراكز أبحاث وجهات إعلامية ترصد ما يُكتب يوميًا، وتجمع آلاف المنشورات والتعليقات لتكوين انطباعات وصور ذهنية عن الدول والشعوب.مع العلم والحقيقة أن كثيرًا من الأحداث والمشكلات التي يتم تداولها فى مصر تحدث في مختلف دول العالم، لكننا لا نطّلع عليها بنفس القدر الذي نطّلع به على ما يحدث داخل وطننا. لذلك فإن تحويل كل واقعة فردية إلى صورة عامة عن مصر قد يكون ظلمًا لوطن يضم أكثر من مئة مليون مواطن، بينهم ملايين النماذج المضيئة وقصص النجاح والكفاح.
المشكلة ليست في كشف الخطأ، فالأمم القوية لا تخشى مواجهة أخطائها، وإنما في أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والحادث الفردي إلى صورة عامة، والسلبية المحدودة إلى انطباع دائم عن وطن بأكمله.
كم من موقف إيجابي يحدث يوميًا في مصر ولا يجد من يتحدث عنه؟ وكم من قصة نجاح أو تضحية أو عمل إنساني تمر دون أن يلتفت إليها أحد؟ في الوقت الذي تحظى فيه بعض الوقائع السلبية بآلاف المشاركات والتعليقات خلال ساعات قليلة.
إن مصر ليست مجرد مشكلة تم رصدها أو مخالفة تم تصويرها أو مشهد سلبي تم تداوله. مصر هي ملايين النماذج المشرفة التي تعمل وتنتج وتنجح وتساعد الآخرين في صمت. مصر هي الطبيب الذي ينقذ الأرواح، والمعلم الذي يصنع المستقبل، والعامل الذي يبني، والفلاح الذي يزرع، والجندي الذي يحرس الحدود، والشاب الذي يحقق إنجازًا في الداخل أو يرفع اسم بلاده في الخارج.
من هنا أرى أن الوقت قد حان لإطلاق ثقافة جديدة عنوانها “منشن لمصر”. نعم، نبلغ عن الأخطاء ونواجه السلبيات ونساند مؤسسات الدولة في تصحيحها، لكن في الوقت نفسه نمنشن للخير، وللنجاح، وللقيم الجميلة التي ما زالت تعيش بيننا.
نمنشن لرجال الخير الذين يساعدون المحتاجين دون انتظار مقابل، وللمبادرات الشبابية التي تخدم المجتمع، وللمصريين في الخارج الذين يحققون نجاحات ترفع اسم وطنهم عاليًا، وللشخصيات الوطنية التي تركت بصمات مضيئة في مختلف المجالات.
كما أن على الإعلام المصري أن يلعب دورًا أكبر في إبراز هذه النماذج. فنحن بحاجة إلى مساحات أوسع لقصص النجاح والكفاح والإبداع، وبحاجة إلى محتوى يصنع الأمل ويعزز الانتماء، ويقدم الصورة الحقيقية للمصري التي يعرفها كل من تعامل معه عن قرب.
لقد دفعت مصر ثمنًا باهظًا في بعض الفترات بسبب صور نمطية خاطئة ترسخت في الأذهان، بعضها جاء من أعمال فنية وإعلامية لم تعبر بدقة عن حقيقة المجتمع المصري. واليوم نمتلك جميعًا أدوات التأثير، وأصبح كل حساب على وسائل التواصل وسيلة إعلام صغيرة قادرة على المساهمة في بناء الصورة أو تشويهها.
إن حب الوطن لا يعني إخفاء العيوب، كما أن النقد لا يعني هدم الصورة. وبين هذا وذاك توجد مساحة واسعة اسمها المسؤولية الوطنية؛ مسؤولية أن ننقل الحقيقة كاملة، وأن نواجه الخطأ، وأن نحتفي بالنجاح، وأن نقدم للعالم مصر كما هي بالفعل: دولة تواجه التحديات، لكنها تملك أيضًا ملايين القصص الملهمة والنماذج المشرفة التي تستحق أن تُروى.
منشن لمصر… ليس دفاعًا عن خطأ، ولا تجاهلًا لمشكلة، بل دعوة لأن نرى الصورة كاملة، وأن نكون جميعًا شركاء في بناء سمعة وطن يستحق منا الكثير













0 تعليق