.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في تاريخ المسرح المصري، تظل أسماء كثيرة مرّت سريعًا، لكن قليلًا منها فقط بقي قادرًا على إحداث أثر حقيقي يتجاوز خشبة المسرح إلى المجتمع نفسه.
وبين هذه الأسماء تتقدّم الكاتبة والدرامية فتحية العسال (26 ديسمبر 1933 ـ 15 يونيو 2014)، بوصفها واحدة من أكثر الأصوات النسائية جرأة في مواجهة “المسكوت عنه”، وكشف تناقضات الواقع الاجتماعي، خصوصًا ما يتعلق بقضايا المرأة.
لم تكن العسال مجرد كاتبة مسرح، بل كانت مشروعًا فكريًا وإنسانيًا ممتدًا، حمل همًّا واضحًا: "تحرير المرأة من القوالب الاجتماعية الصارمة، وفتح أسئلة شائكة حول السلطة، والجسد، والطبقة، والظلم الاجتماعي، في زمن كان الاقتراب فيه من هذه القضايا يُعد مغامرة، اختارت هي أن تكون في قلبها".
قدّمت فتحية العسال أعمالًا مسرحية اتسمت بالجرأة والاشتباك المباشر مع الواقع، فلم تكتفِ برصد معاناة المرأة، بل ذهبت إلى تفكيك بنية القهر نفسها.
في مسرحها، لا تظهر المرأة بوصفها ضحية صامتة فقط، بل كائنًا واعيًا يحاول الفهم والمواجهة والتمرد أحيانًا.
وقد ارتبط اسمها بما يُعرف بـ”مسرح التحدي الاجتماعي”، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة مساءلة، لا مجرد عرض فني. شخصياتها غالبًا ما تعيش صراعات داخلية حادة، بين ما يُفرض عليها وما ترغب فيه، بين التقليد والتغيير، بين الصمت والصوت.
ما ميّز تجربة العسال هو اقترابها من “المناطق المحظورة” في الخطاب الاجتماعي، سواء ما يتعلق بالعنف الأسري، أو التمييز ضد المرأة، أو ازدواجية المعايير الأخلاقية. لم تكتب من برج عاجي، بل من تماس مباشر مع الواقع، وهو ما منح نصوصها صدقًا فنيًا وإنسانيًا لافتًا.
وفي زمن كانت فيه هذه القضايا تُطرح بحذر شديد، جاءت كتاباتها لتفتح نقاشًا واسعًا داخل الوسط الثقافي، بل وتثير جدلًا اجتماعيًا حول حدود الحرية ودور الفن في التغيير.
لم تكن المرأة في أعمال فتحية العسال مجرد “موضوع”، بل كانت هي المركز، فهي التي ترى العالم من زاويتهن، وتعيد صياغة الحكاية من منظورهن.
وهذا التحول في زاوية السرد منح أعمالها قوة مختلفة، لأنها لم تكتفِ بوصف الواقع، بل أعادت إنتاجه فنيًا بطريقة نقدية.
رغم مرور السنوات، لا تزال أعمال فتحية العسال تُقرأ وتُناقش باعتبارها جزءًا من ذاكرة المسرح المصري الحديث، ومرجعًا مهمًا في دراسات قضايا المرأة في الأدب المسرحي.


















0 تعليق