.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الخميس 04/يونيو/2026 - 08:52 م 6/4/2026 8:52:09 PM
منذ عدة أسابيع فاجأنى سائحٌ بريطانى متابع للشأن السياسى فى إقليمنا بسؤالٍ بين الجد والدعابة..كيف ترى مصرُ نفسها الآن؟! وجاء ردى بتلقائية..وكيف ترونها أنتم؟ جاءت إجابته نصا فى عبارتين قاطعتين..نراها قوة إقليمية وصانعة سلام..(ريجونال باور..بيس ميكر)..ثم استطرد ليذكرنى بسؤاله..كيف ترى مصر نفسها؟ ولماذا لم تحاول استعراض قوتها كالباقين؟ وكيف ترون بلادكم؟
(1)
بدأت إجابتى بالسؤال الأوسط بين أسئلته الثلاث.. لماذا لم تحاول مصر استعراض قوتها – التى يرونها جيدا فى الخارج – كباقى القوى الإقليمية؟ وهو قطعا يقصد ما حدث فى الأعوام الأخيرة مثل هجمات السابع من أكتوبر وما تلاها، وأيضا تطورات الحرب الأخيرة. من وجهة نظره – وهى حيادية لأنه غير مصرى ويرى الموقف من خارج مصر – أن مصر الآن أصبحت قوة إقليمية بالمنطق السياسى. ولا توصف دولة بأنها قوة إقليمية دون أن ترتكز على أسس معينة مثل الاستقرار الاقتصادى والقوة العسكرية المنطقية واستقرار الأوضاع الداخلية. وهو ينظر لمصر مثل كثيرٍ من الغربيين أنها دولة – فى تفكير شعبها واتخاذ قياداتها لقرارها – مثل باقى دول الإقليم، ويستغرب من عدم محاولة مصر كباقى هذه الدول استعراض قوتها فى مشاهدٍ كانت مرشحة بقوة لهذا الاستعراض. الإجابة بوضوح – كما بينتها له – هى أن مصر دولة مختلفة عن باقى دول الإقليم فى شخصيتها الكلية سواء تركيبة سكانها ورؤيتهم للأحداث، أو فى عقل الدولة الممثل فى قياداتها ومؤسساتها. فمصر – بهذه الشخصية المختلفة وطوال تاريخها بشكل عام – لم تكن تجنح لاستعراض القوة أو استغلالها فى محاولات الحصول على مكتسبات غير مشروعة. الشعب المصرى بطبيعته شعبٌ غير غازٍ أو معتدٍ أو جانحٍ للفوضى. هو شعبٌ غير نهاب أو سلاب. هو شعبٌ يجنح للسلام طالما لم يعتد أحدٌ على أرضه أو مقدراته أو كرامته الوطنية. والقيادة المصرية – بأفرادها ومؤسساتها وقوانينها الحاكمة – هى جزء من هذا الشعب، ومكوناتها من مكوناته، وشخصيتها وعقلها من شخصيته وعقله. ومع كل ما تعرضت له هذه الشخصية من محاولات تغيير قسرية فى بعض الفترات، لكن الشخصية الأصلية حسمت هذه المعركة لصالحها فى الأوقات الحاسمة.
(2)
أما عن السؤال الأول..كيف ترى مصرُ نفسها؟ فلو كان المقصود بمصر هنا عقل الدولة الذى يصوغ قراراتها ومواقفها من أى تطورات سياسية، فمصر – بهذا المعنى – ترى نفسها أنها قوة إقليمية. وهى لا ترى نفسها فى هذه الحالة بصفة مؤقتة عارضة، لكنها ترى أن هذا هو الحال الذى يجب أن يكون ويستمر بصفة مستدامة. وأن العمل على بقاء هذا الوصف أو الإبقاء على قوة مصر هو من تمام مهام هذه المؤسسات. لأن هذه القوة هى وحدها التى تصون مصر بكل مكوناتها من أرض وشعب ومقدرات. مصر تثق فى نفسها طوال الوقت. تثق فى قدرتها على البقاء مهما كانت العواصف السياسية. وهذه الرؤية وهذه الثقة هى جزء واحد من رؤية مصر – كمؤسسات حاكمة – لنفسها. فهى ترى أن هذا الجزء لا يستقيم دون باقى الأجزاء. فهى أيضا ترى – كمكون أو كجزء ثانى - نفسها صانعة سلام بالمعنى الحقيقى الموضوعى. ففى أى موقف سياسى تجنح مصر لحسم الصراعات عبر الحوار والتوافق لا عبر الحسم العسكرى. صناعة السلام ليس سهلا كما يعتقد البعض، بل هو أصعب وأكثر تعقيدا من تأجيج أى صراع. تأجيج الصراعات سهلٌ ولا يتطلب سوى تبنى خطاب تعبوى مزايد فى أى موقف. لكن توابعه تكلف الشعوب والأوطان عقودا من الخراب والدمار والتخلف. صناعة السلام يتطلب نفسا طويلا وكبحا لجماح من يقوم بقاؤهم على صنع هذا الدمار. صناعة السلام تتطلب أن يكون للدولة قوة غير عسكرية لا تقل فى تأثيرها عن القوة العسكرية، من دبلوماسية يحترمها ويقدرها العالم، وقوة ناعمة متشعبة، وظهير شعبى فكرى وثقافى وفنى ودينى وتعليمى يؤمن ويعتقد بما تؤمن به وتعتقده الدولة. أما المكون الثالث لرؤية مصر لنفسها وقوتها فهو يتلخص فى عقيدتها بأن هذه القوة هى حصرية للدفاع عن مصر واستخدامها حصرىٌ على مواقف بعينها. وهذه الأفكار ليست من اجتهادى الشخصى، إنما هى جمعٌ لما صدر بالفعل عن قيادات الدولة المصرية ممثلة فى أعلى مستوياتها طوال الأعوام الثلاثة السابقة، وهى الأعوام الأكثر التهابا فى الإقليم.
(3)
كيف يرى المصريون بلادهم الآن؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب. وبعيدا عما قدمته من إجابة للضيف، فأنا أعتقد أننا – كمصريين – فى حاجة إلى تداول هذا السؤال ومناقشته مناقشة حقيقية. نحن الآن لدينا بالفعل مشكلة فى كيفية رؤية كثيرٍ من المصريين لبلادهم. فهل يرى المصريون جميعا أن مصر الآن – كما يراها غيرهم خارج مصر – قوة إقليمية وصانعة سلام؟ للأسف كثيرٌ من المصريين لا يرون هذا. ولا أعتقد أنهم ضحايا التزييف المعلوماتى، لكننى أرى أنهم استمرأوا واستحبوا السقوط طواعية فى هذا الفخ. لا يمكن الآن فى ظل هذا الطغيان لوسائل التواصل والنشر وتداول المعلومات أن يدعى أحدنا أنه لم يجد المعلومات الصحيحة. عام 2013م وفى ذروة خوف المصريين على بلادهم انتفضوا على تنظيمٍ إرهابى محلى له كيانات كبرى داخل وخارج مصر. نجح المصريون فى بندٍ واحد كان هو الأهم لهم وهو طرد التنظيم من حكم مصر. بهذا النجاح لم يتلاشى التنظيم لأنه مغروس فى التربة المصرية منذ عقود طويلة، كما لم يتلاشى أو تتغير عقول الملايين من ظهيره فى مصر أو خارج مصر. كل ما حدث هو حالة كمون محسوبة وفصل زر التفعيل. الأذرع الإعلامية موجودة وبعضها عاد للعمل بالفعل تحت مسميات مختلفة، وحدث إعادة تدوير لكثير من الأسماء والصفحات المدارة من مصر أو خارجها. كل هذا الكيان – وبعد تفعيل وضع الكمون الظاهرى – بدأ فى تحديد غاية واحدة..الهدم. هدم ثقة المصريين فى أنفسهم وفى دولتهم ومؤسساتهم. هدم الثقة فى أى إنجاز يحققه هؤلاء المصريون أنفسهم. التشكيك فى كل شىء وفى كل قرار. السخرية من كل شىء ومن كل إنجاز ومن كل قرار. صفحات كوميكس عادت بعد أقل من عام على ثورة يونيو. تبدو فى ظاهرها بريئة، لكنها تنفذ الهدف بدقة. الهدم..أن يرى المصريون بلادهم – على خلاف الحقائق – ضعيفة منهزمة لا مكانة لها ولا أمل لهم ولا لأبنائهم فى مستقبل أفضل.
أول بند من بنود بناء القوة المصرية التى قصدها البريطانى فى سؤاله كان بناء القوة العسكرية المصرية. منذ 2014م لم تتوقف ليومٍ واحد حملات التشكيك فى كل خطوة عسكرية وفى كل صفقة عسكرية. لم تتوقف محاولات السخرية من القوات المسلحة المصرية. بعض من يطلقون على أنفسهم نشطاء ظلوا لعدة سنوات لا حديث لهم سوى مهاجمة تسليح القوات المصرية، وبعضهم ارتدى مسوح الباحثين وظل يعربد بهجومه المنظم فى مواقع ومنصات ناطقة بالعربية مرة وباللغات الأجنبية مرات. وحين كانت مصر تخوض معركة تأمين الحدود الشرقية انطلقت نفس الأبواق تهاجم تلك الخطوة بضراوة. لم يكن الطريق الذى خاضته القيادة المصرية فى سبيل تعظيم قدرات مصر العسكرية طريقا مخمليا، بل كان طريقا مليئا بالتشكيك والكذب ومحاولات الابتزاز. بعد نجاح مصر فى هذه الخطوة، كيف لا يرى عموم المصريين – وبعيدا عن المنتمين للتنظيم وأتباعه ومريديه وظهيره – هذه القوة المصرية؟ وكيف لا يحتفون بهذا النجاح وكيف لا يرون ما رآه هذا البريطانى وهو خارج مصر؟! لأنهم باختصار قد تخلوا طواعية عن أبجديات التفكير العقلانى الموضوعى. سلموا أنفسهم طواعية لم يدغدغ أوهامهم عن سنوات عدم تحمل أى مسؤلية تجاه بلادهم واستحلال كل ما يستطيعون الحصول عليه..وهؤلاء الذين سلم مصريون أنفسهم وعقولهم لهم كانوا لا يتركون فرصة أو حدثا دون محاولة الطعن فى قواتنا المسلحة.
(4)
أما البند الثانى لبناء هذه القوة المصرية الإقليمية، فهو البند الإقتصادى..أين كانت مصر منذ اثنى عشر عاما وكيف غدت؟ منذ أسابيع كتبتُ مقالا مفصلا عن الملف الإقتصادى المصرى. الملف الإقتصادى تحديدا هو الأكثر استغلالا للتشويش على رؤية المصريين لبلادهم. بعض المصريين أصيبوا عند عمد بعدم المنطقية فى رؤيتهم لهذا الملف. يصرون على رؤية جزءٍ صغير جدا من حقائقه ويتعمدون تجاهل معظم تلك الحقائق. يقيمون رؤيتهم لبلادهم من خلال قيمة العملة المحلية وتأثرهم بهذه القيمة السوقية. بينما يتجاهلون أو يصرون على تجاهل بيانات إنتاجهم مقارنة باستهلاكهم، ويتجاهلون حقيقة الثمن الإقتصادى المتوقع والطبيعى لأوضاع سياسية سابقة هم من ساهموا فى وجودها أو استمرأوا وجودها. رفضهم منذ عصر السادات لأول محاولة إصلاح اقتصادى بعد مرحلة أكتوبر واتخاذ هذا الرفض صورة ثورية أقرب للفوضوية قاد إلى ما هو أسوأ، وهو خوف إدارة مبارك طوال ثلاثة عقود من طرق هذا الباب مجددا. يتجاهلون أن ثمن إبقاء مبارك على قيمة وهمية للعملة المحلية كان امتناعه عن الإنفاق الرشيد المنطقى على الخدمات المقدمة للمصريين بما قاد فى النهاية إلى مشاهد يناير 2011م. كما تمدد هذا الثمن إلى إحجامه عن الإنفاق على مشاريع تنموية ضخمة تتناسب مع الزيادة السكانية. يتجاهل كثير من المصريين أن سببا من أسباب ما يعانونه اقتصاديا هو ثمن الخلاص من الجماعة التى أتوا بها وبمليشاتها للحكم. تناسى المصريين مفهوم اقتصاد الحرب الذى مرت به مصر لمدة أربع سنوات على الأقل من 2014 وحتى 2018م. والأهم أنهم يتجاهلون عن عمد كل الحقائق على الأرض من إنجاز مشاريع اقتصادية استراتيجية كلفت خزانة الدولة مبالغ هائلة، ولم يكن طرق هذا الباب من الرفاهية بل كان من الضرورات لبقاء مصر على قيد الحياة. يتناسى المصريون حقيقة اقتصادية يعلمها العالم كله، أن نجاح أى إدارة فى الحكم لا يعنى أن تقدم هذه الإدارة لشعبها الخدمات مجانا، أو تقدم لهم السلع بأسعار أقل من قيمتها الفعلية، إنما النجاح هو أن توفر لشعبها فرص عمل تمكن أفراد هذا الشعب من الحصول على دخول تمكنه من شراء السلع والخدمات. لقد انتهى فعليا وعالميا زمن تقديم الخدمات المجانية للشعوب. الكسالى والذين لم يطوروا أنفسهم أو يؤهلوا أنفسهم لسوق العمل ليس من حقهم أن يتهموا أحدا بالفشل. فالواقع يقول أن هناك مصريين كُثر استطاعوا اقتناص فرص عمل تدر دخولا منطقية بعد أن خاضوا الطريق الصحيح من تعلم المهارات المطلوبة. ثقافة الحصول على وظائف بأقل قدر من التعليم والتأهيل انتهت من العالم. الغربيون الذين يرون مصر الآن قوة إقليمية يفكرون بهذا المنطق المعروف عالميا، أما المصريون الذين يرون أن بلادهم فاشلة اقتصاديا فهم يفكرون بثقافة العقود السابقة. وهؤلاء لن يروا أو يقدروا أى نجاح اقتصادى لمصر طالما لم يجدوا ما يحلمون به أو يتوهمونه.
(5)
من الأزمات التى تصوغ رؤية بعض المصريين لبلادهم الآن هى أزمة التفكير السياسى أو حتى المنطقى والتى يمكن أن نطلق عليها غياب ثقافة أو علم التقييم المنطقى الموضوعى. حين يتم تقييم ورقة إجابة لطالب ما يتم تقييم كل سؤال على حدة. هذا الفكر مختفى تقريبا فى طريقة تفكير كثير من المصريين حين يتعلق الأمر برؤيتهم لدولتهم الآن. من بديهيات الأمور ألا يتفق كل الشعب على رؤية واحدة أو تقييم واحد لأى نظام حكم فى أى دولة. لم يحدث هذا ولن يحدث. من الطبيعى أن يكون لكل مواطن موقف رافض لسياسة دولته فى ملف ما أو أكثر. لكن من المنطقى والموضوعى أيضا أن يتم التقييم لكل ملفٍ منفصلا. فهناك مثلا من يرى أن حكومة مصر أخطأت أو تباطأت فى التعامل مع ملف المقيمين الأجانب، أو ملف السماح للتيار السلفى بالعودة مجددا لمحاولة ابتلاع العقل المصرى. لكن من الموضوعى أن من يرى ذلك أن يرى أيضا قوائم الإنجازات المعجزة التى استطاعت تحقيقها نفس الحكومة أو الإدارة. التقييم بالهوى الشخصى يقود إلى ما نطالعه على صفحات السوشيال ميديا الشخصية للمصريين. البعض يحاول أن يهيل التراب على إنجازات بلاده التى حققتها والتى يراها العالم أجمع لمجرد أن هذا البعض يختلف مع إدارة البلاد على طريقة إدارة ملف ما. هذه الأزمة – أو الطريقة فى التفكير - أدت إلى ما نراه من اهتزاز ثقة كثير من المصريين فى بلادهم. نقابل بعض هؤلاء فى كل مكان فى مصر ونسمع أباطيلهم. يحاولون دائما تمرير هذا الشعور بالإحباط وعدم الثقة للآخرين. أو أن يكون هواه مع من طردهم المصريون من حكم مصر، لكنهم يخفون ذلك ويحاولون بث فحيحهم عبر محاولة طمس وتشويه كل ما استطاعت مصر إنجازه.
(6)
ففى الملف الإجتماعى مثلا لا يرون فى مصر سوى غلاء الأسعار – الذى يجتاح العالم كله – بينما لا يرون ما تقدمه بلادهم من إجراءات حماية إجتماعية فى السكن والطعام للطبقات الأكثر احتياجا. ولا يرون أن مصر حتى الآن تقدم تعليما جامعيا مجانيا وهو الذى كاد أن يختفى من كل دول العالم.
لم يصدقنى أحد ضيوف مصر – الضيوف الحقيقيون أو السائحون - حين أخبرته بعدد الوحدات السكنية التى أنجزتها مصر فى عدة سنوات – وقد تجاوز الرقم مليون وحدة سكنية - والتى قدمت معظمها كسكن إجتماعى تسدد قيمته على مدار عشرين عاما أو أكثر. كثير من دول العالم وشعوبه ترى أن فكرة تملك الوحدة السكنية أصبحت بعيدة المنال، ويتعاملون بمنطقية مع فكرة استئجار السكن، بينما يصر المصريون أنهم إن لم يتملكوا منازلهم أو وحداتهم السكنية فهذا يعنى فشل الدولة!
فى الملف السياسى لا يرى بعض المصريين طوال عامى العدوان على غزة سوى أن مصر رفضت أن تخوض معركة عسكرية ليست معركتها، ويزايدون على بلادهم ويتهمونها علنا بالضعف، بينما تعمى أبصارهم عما رآه العالم أجمع من أن مصر هى التى أحبطت مخطط التهجير وهى التى تولت عبء الإبقاء على هذه القضية على قيد الحياة.
بعضهم لا يقدر بلادهم حق قدرها ويدعى مثلا أن إيران تحديدا خاضت حربا نيابة عن الأمة الإسلامية، ويتجاهلون ما عاصرناه من أنه طوال عامى العدوان لم تطلق إيران رصاصة واحدة صوب الكيان، وأن أول رشقات صاروخية – ردا على العدوان المباشر على أراضيها وليس دفاعا عن فلسطين أو غزة – كانت رشقات أقرب بخطابات الغرام بين الأخلاء! كما يتجاهلون أن الحرب الدائرة الآن كانت صراعا على قضايا محددة لا علاقة لها بفلسطين أو غيرها!
هؤلاء المصريون الذين يرون بلادهم من هذه الزاوية رؤيتهم معطوبة ولديهم عمى سياسى وعطب فى آليات التفكير المنطقى.
فى الملف الإقتصادى بعضهم يرى بلاده ويقيمها كما نقول من (خرم إبرة) تمثل مصلحته الشخصية المباشرة. فلو استفاد بشكل شخصى فمصر دولة ناجحة. ولو لم يستفد – لأنه لا يستحق – فمصر دولة فاشلة ظالمة! منذ سنوات رأينا رجال أعمال يفكرون بنفس هذا المنطق حين رأوا أن مصر فى طريقها لتصويب آليات ضريبية وقانونية تخص طرق الحصول على حق العمل فى مشاريع استثمارية بشكل يضمن حصول الدولة على حقوقها. بعد أن كان هؤلاء قد اعتادوا على الحصول على كل شىء بطرق فاسدة أثناء دولة مبارك. وهذا ما حدث من كثير منا بمجرد أن بدأت مصر فى رقمنة منظومة الضرائب! بما يعنى أن بعضنا يرى مصر من منطق (يا تسيبنا نسرق براحتنا يا إما تبقى دولة فاشلة!)
(7)
حتى فى مجال الصحافة والإعلام. بعضهم توهم بعد 2014م أن يحصل على مكانة متميزة سياسيا وصحفيا، فلما فشل فى ذلك أصيب بحالة ضبابية تحجب عن عينيه وعقله حقائق ما تقوم به مصر على الأرض.
كيف يرى صحفيو مصر بلادهم؟ ربما يكون الصحفيون والإعلاميون هم الأهم فى هذا الموضوع لطبيعة ما يقومون به. للأسف كثيرٌ منهم إما منعزلون عن الواقع المصرى، أو مصابون بداء الأيدلوجية السياسية المتطرفة. كم من هؤلاء – محررو صحف أو صحفيون كبار أو إعلاميون كبار – قاموا بجولات منفردة وجابوا محافظات مصر وقراها ليروا ما حققته مصر بالفعل؟ تخطيت الخمسين بسنوات قليلة، وبدأت ممارسة مهنتى نهايات عام 95، لكننى وحتى الآن حين يكون لدى عمل فى منطقة لم أزرها منذ فترة طويلة أقوم بزيارتها منفردا على نفقتى الخاصة وقد تكون فى محافظة أخرى وذلك قبل أن أتحمل أمانة ما سوف أقوم به. فهل قام الإعلاميون المصريون بجولات ميدانية ذاتية خلاف مصاحبة الفعاليات الرئاسية حتى يستطيعوا خوض معركتهم بثقة وموضوعية؟
أما الفئة الثانية وهى الأخطر فهؤلاء الذين طغت أيديولوجيتهم السياسية المتطرفة – وأحيانا الخارجة عن التاريخ والواقع المصرى – على موضوعيتهم ومهنيتهم. رأينا كثيرا منهم على سلالم نقابة الصحفيين فى أكثر من مناسبة..رأيناهم يزايدون على بلادهم ويحطون من قدرها. فهل هؤلاء أو أولئك من الإعلاميين مؤهلون لكى يروا مصر الآن بموضوعية على الأقل كما يراها غير المصريين؟ أشك فى ذلك شكا كبيرا!
حين خاضت مصر منذ سنوات معركة تصويب الخطاب الدينى وإنقاذ مصر من فوضى هذا الخطاب، وحين تولى تنفيذ هذه الرؤية وزير الأوقاف السابق د.مختار جمعة، وحين ترتب على ذلك استبعاد بعض الذين كانوا يعبثون بالعقل المصرى من فوق المنابر، حين حدث هذا اتهم مصريون كُثر دولتهم بأنها تخوض معركة ضد الإسلام وأنها تسعى فى خراب بيوت الله وأنها تنفذ أجندة صهيونية!
لم يروا مآساة مصر عبر عدة عقود من عبث بعض رجال الدين بالعقل المصرى. تناسوا ما تكبدته مصر لمواجهة الإرهاب الذى لم يكن له أن يجد فى مصر تربة خصبة لولا وجود ظهير صريح من رجال دين رسميين طوال أربعة عقود أعقبت حرب أكتوبر.
كيف يرى المصريون بلادهم؟ الإجابة باختصار.. كل مصرى سوف يرى مصر بما يحمله فى عقله من وعى وموضوعية، أو غيبوبة عقلية اختارها بمحض إرادته أو انتصارا لهوى فى نفسه..وبما يحمله فى قلبه من هوية مصرية حقيقية أو هوية خفية تكره فكرة الهوية الوطنية..
مصر الآن قوة إقليمية..هذه حقيقة واقعة على الأرض لم أكن أنتظر بريطانيا أن يخبرنى بها..لكن حديثه ذكرنى بالسؤال الأهم..كيف يرى المصريون بلادهم؟! ومختصر إجابتى..لو رأى المصريون بلادهم بعيون وعقول غير مصابة بالعطب أو الهوى..فسوف يستردون الثقة فى أنفسهم أولا وبلادهم ثانية..وسوف يتحلون بموضوعية التفكير والرؤية.














0 تعليق