.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
مجدى نجيب- رحمة الله عليه- «٢٩ مايو ١٩٣٦- ٧ فبراير ٢٠٢٤» واحد من أجمل الشعراء الذين أنجبتهم مصر، ومن القلائل الذين يمكن أن نطلق عليهم لقب شاعر الأغنية، وليس كاتب الأغنية، فى عيد ميلاده التسعين، ظهر أمامى بمشيته الشاردة، وصوته الخفيض، ونظرته الحانية المبتسمة، كنت ألتقيه مصادفة فى شارع ما، هائمًا مبتسمًا، أقف أمامه، وبمجرد أن يرانى يقول لى: «أنت فين؟»، ونكمل اليوم معًا.
الجلوس إليه لا يحتاج إلى «موضوع» للكلام، أنت أمام الطيبة والرقة والعذوبة، رجل لا يريد شيئًا من أحد، ولم يتورط فى صراعات، ولم يخضع لقوانين السوق التى تدير صناعة الغناء فى مصر، عاش بروح الفنان، عرفته فى فترة مبكرة من العمر، والتقيته فى دوائر شجية يجلس فيها أساتذتى الكبار من رموز الثقافة المصرية، رجل خجول، بسيط، يعمل لآخر يوم فى حياته.
فى عيد ميلاده الرابع والثمانين احتفلت به فى مقال بالأهرام، أسعده جدًا، اتصل بى، لا ليشكرنى، ولكن لكى يسأل عن أولادى، وليقول لى إنه يفتقد جميل شفيق صديقنا المشترك.
بين الحين والآخر، وبسبب أغنية ما، يتجدد الحديث عن أزمة الأغنية، كما حدث مؤخرًا بسبب دويتو شيرين ومحمد حماقى، التى أحببتها، وفى كل مرة أتذكر العم مجدى الذى كان يعتبرنى من جيله، رغم فارق ربع القرن الذى بيننا، هو شاعر الألوان الزاهية والشمس المشرقة، الذى ينهل من التراث المنسى داخل كل واحد فينا، كان يقطف الشعر من على شجر نمر عليه ولا نعرف أنه مثمر، هو من المجددين فى شعر العامية، فديوانه «صهد الشتا» الذى صدر سنة ١٩٦٤، كان فتحًا حقيقيًا فى هذا الفن، هو استفاد من المنجز الذى حدث فى شعر الفصحى الجديد على أيدى الرواد.
كان صلاح جاهين وفؤاد حداد قد فتحا الطريق لطريقة جديدة من التفكير والقنص، وجاء مع الأبنودى، وسيد حجاب، وفؤاد قاعود، ونجم، وعبدالرحيم منصور ليصنعوا حديقة واسعة فيها ما لذ وطاب، كل واحد من هؤلاء عبر عن البيئة التى جاء منها، هو عبر عن الصوت القاهرى فى المدرسة الجديدة، وهو صوت الحى الشعبى الذى تحكمه بشكل أو بآخر قيم الريف، هو مثل الأبنودى كان يرى أن كتابة الأغنية «أكل عيش»، وهذا غير صحيح، لأن منجزهما فى الأغنية أثر فى فن الشعر، كما فعل بيرم التونسى، وبديع خيرى، ورامى، ومرسى جميل عزيز، وعبدالفتاح مصطفى، ومحمد على أحمد، وفتحى قورة «الذى أطلق عليه الأستاذ يحيى حقى لقب بهلوان العامية المصرية» وعلى مهدى، ومأمون الشناوى، وغيرهم من كبار الشعراء.
كان يعتقد أن كتاب الأغنية أدنى منزلة من الشعراء، لأنهم أسرى آليات السوق، وهو تصور خاطئ بالطبع.
قدم نجيب مع بليغ وشادية أولى أغنياته «قولوا لعين الشمس» سنة ١٩٦٦، وحققت نجاحًا باهرًا، وحدث جدل حولها، بعد أن هاجمها الشيخ كشك فى شرائطه الكاريكاتيرية متهمًا كاتبها بالزندقة، لأنه لا سلطة له على الشمس لكى يقول لها «ما تحماش»!، وهذه الأغنية فريدة، ونجح بليغ فى نقلها إلى الوجدان الجمعى كأنها ولدت مع الناس.
ربما بسبب تاريخ الناس مع المذهب، فى ٢٠ فبراير عام ١٩١٠ أقدم الشاب إبراهيم نصيف الوردانى على قتل بطرس باشا غالى، وكان السبب أن «غالى» صادق على أحكام محكمة دنشواى بإعدام ٦ فلاحين مصريين قتلوا جنودًا بريطانيين كانوا قد قتلوا فلاحة مصرية أثناء صيدهم الحمام، بعد صدور حكم الإعدام على الوردانى، احتشدت الجماهير الغاضبة، معلنة رفضها هذا الحكم الجائر.. وكانت ليلة حزينة على كل المصريين، وردد البعض: «قولوا لعين الشمس ما تحماشى.. لاحسن غزال البر- أى الوردانى- صابح ماشى».
مع شادية أيضًا وبلحن العظيم محمد الموجى، كتب «غاب القمر يا ابن عمى»، التى ارتفع فيها منسوب الشعر إلى مستوى غير مسبوق، «والصوت دبل ف الخلا والليل ما عاد له دليل، نعس الفضا واتملا قلبى بنجوم الليل»، أو «ضحك الهوا حواليك واتمايلت النجمات، ملس على شعرى ورمى عليك حكايات»، غنى له عبدالحليم حافظ «كامل الأوصاف» لحن محمد الموجى، وكان يسعى من خلاله إلى إعادة صياغة الموشح على مزاج المصريين.
أصبح مجدى نجيب شاعرًا يسعى إليه نجوم الستينيات، ولحن له معظم الملحنين، رياض السنباطى، بليغ، والموجى، وسلطان، ومحمود الشريف، ومنير مراد، وأحمد منيب.
غنى لمجدى نجيب معظم الأصوات، غنت له شريفة فاضل من ألحان منير مراد «لما راح الصبر منه»، و«دور لف الدنيا بحالها»، وغنت له نجاة الصغيرة، ووردة، ومحرم فؤاد، وعفاف راضى، ومحمد حمام، ومحمد ثروت، ومدحت صالح، وعماد عبدالحليم، وسميرة سعيد، وكان له دور كبير فى مسيرة هانى شاكر بدأت بـ«ياريتك معايا» و«سيبونى أحب»، وأيضًا فى مسيرة محمد منير، بدأت بـ«شبابيك»، و«حواديت»، و«ليلى»، و«من أول لمسة»، ومن الصعب حصر كل أعماله، ولكن من المؤكد أنه صاحب صوت خاص ونوعى فى الغناء المصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين.
لم يكتف نجيب بكتابة الأغنية، وواصل نشر دواوينه التى احتفى النقاد بها، فأصدر ليالى الزمن المنسى، مقاطع من أغنية الرصاص، ممكن، الوصايا، حبة ملح.. حبة سكر، وش يشبه حزننا، بالإضافة إلى عدد من الكتب المهمة مثل صندوق الموسيقى وأهل المغنى «عن الفن الشعبى».
وكثيرون لا يعرفون أنه من «أسطوات» الإخراج الصحفى، وعمل فى مجلات كروان، وصباح الخير، والإذاعة والتليفزيون، وهو أيضًا صاحب تاريخ طويل فى الرسم للأطفال، وكانت أجمل الليالى لنا هى التى تجمعنا فى معارض لوحاته، وإذا قدر لك مشاهدة لوحاته الفنية، ستجد نفسك أمام طفولة زاهية الألوان، حيث الأشجار والطيور ومواكب الدراويش وأفراح القاهرة المنسية.















0 تعليق