.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
شهدت العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية تحولًا كبيرًا في العصر الحديث، بعد قرون طويلة من الانفصال منذ مجمع خلقيدونية.
وجاءت بداية مرحلة التقارب الجديدة مع جلوس البابا شنودة الثالث على الكرسي المرقسي سنة 1971، حيث تبنى رؤية واضحة للحوار المسكوني والانفتاح الكنسي، مع الحفاظ على ثوابت الإيمان الأرثوذكسي القبطي.
وفي مايو 1973، قام البابا شنودة الثالث بزيارة تاريخية إلى الفاتيكان، حيث التقى البابا بولس السادس، لتكون أول زيارة لبابا قبطي إلى الفاتيكان منذ قرون طويلة.
وأسفر اللقاء عن توقيع إعلان مشترك تاريخي أكد الإيمان المشترك بالسيد المسيح، وأن الخلافات التاريخية بين الكنيستين تعود، في جانب كبير منها، إلى اختلافات في المصطلحات والتعبيرات اللاهوتية أكثر من كونها اختلافًا جوهريًا في العقيدة.
وبعد هذه الزيارة، بدأ رسميًا الحوار اللاهوتي بين الكنيستين من خلال لجنة مشتركة ناقشت قضايا العقيدة الكريستولوجية وطبيعة السيد المسيح، إضافة إلى موضوعات الكنيسة والأسرار والتقليد الرسولي. وقد ساهمت هذه الحوارات في إزالة كثير من سوء الفهم التاريخي المتراكم عبر القرون.
وخلال الثمانينيات، استمرت اللقاءات اللاهوتية الثنائية، وظهرت عدة وثائق مشتركة أكدت التقارب العقائدي بين الطرفين، خاصة فيما يتعلق بالإيمان بطبيعة السيد المسيح الكاملة في لاهوته وناسوته.
أما في التسعينيات، فقد شهد الحوار تحولًا مهمًا، إذ لم يعد مقتصرًا على الحوار الثنائي بين الكنيسة القبطية والكنيسة الكاثوليكية فقط، بل أصبح ضمن إطار أوسع يضم الكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية كلها، مثل الكنيسة السريانية والأرمنية والإثيوبية والهندية، فيما عُرف بالحوار بين الكنيسة الكاثوليكية وعائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية. وقد ساهم هذا التطور في توحيد الرؤية اللاهوتية الشرقية في مواجهة القضايا المشتركة، كما أعطى الحوار طابعًا كنسيًا عالميًا أكثر شمولًا.
وفي عام 2000، استقبل البابا شنودة الثالث البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته التاريخية إلى مصر، وهو اللقاء الذي أعطى دفعة جديدة للعلاقات بين الكنيستين، خاصة في مجالات التعاون الروحي والثقافي والدفاع عن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط.
ومع بداية حبرية البابا تواضروس الثاني سنة 2012، دخلت العلاقات مرحلة أكثر دفئًا وانفتاحًا، خاصة مع انتخاب البابا فرنسيس سنة 2013. ففي مايو 2013، زار البابا تواضروس الفاتيكان في الذكرى الأربعين للقاء التاريخي بين البابا شنودة وبولس السادس، وتم إعلان يوم 10 مايو يومًا للمحبة الأخوية بين الكنيستين.
وفي عام 2017، قام البابا فرنسيس بزيارة تاريخية إلى مصر، التقى خلالها البابا تواضروس الثاني في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، ووقّعا بيانًا مشتركًا أكد استمرار الحوار والعمل المشترك، كما أعلنا التقدم في مناقشة قضية الاعتراف المتبادل بالمعمودية.
ومثلت زيارة البابا تواضروس الثاني إلى الفاتيكان في مايو 2023 محطة مهمة في مسار العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، إذ جاءت بمناسبة مرور خمسين عامًا على اللقاء التاريخي الذي جمع البابا شنودة الثالث والبابا بولس السادس سنة 1973، والذي أعاد انطلاق الحوار اللاهوتي الرسمي بين الكنيستين بعد قرون طويلة من الانقطاع.
وخلال الزيارة، التقى البابا تواضروس الثاني البابا فرنسيس، حيث أكد الجانبان عمق العلاقات الأخوية بين الكنيستين، وأهمية استمرار الحوار اللاهوتي والمسكوني. كما شهدت الزيارة صلوات ولقاءات مشتركة واحتفالات خاصة باليوبيل الذهبي للعلاقات الحديثة بين الكنيستين.
ومن أبرز ثمار هذه الزيارة إعلان البابا فرنسيس إدراج شهداء ليبيا الأقباط في السنكسار الروماني للشهداء، في خطوة تاريخية عكست التقدير المتبادل والشركة الروحية المتنامية بين الكنيستين. كما أكدت الزيارة أن مسار الحوار، رغم ما يواجهه أحيانًا من تحديات، لا يزال قائمًا على أسس قوية من الاحترام والمحبة والتعاون المشترك.
وهكذا انتقلت العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، منذ سبعينيات القرن العشرين، من مرحلة الانفصال التاريخي إلى مرحلة الحوار والتفاهم والتعاون، مع استمرار السعي نحو مزيد من التقارب اللاهوتي والروحي، مع الحفاظ على خصوصية كل كنيسة وتقاليدها الرسولية.
إلا أن مسيرة العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية شهدت في عام 2024 حالة من التوقف النسبي في بعض مسارات الحوار اللاهوتي، خاصة بعد صدور بعض التصريحات والوثائق الكنسية الكاثوليكية المتعلقة بقضايا المثليين، والتي رأت الكنيسة القبطية أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتوضيح اللاهوتي قبل استكمال خطوات التقارب الكنسي. وعلى أثر ذلك، تم الإعلان عن تعليق بعض جلسات الحوار اللاهوتي لإعادة تقييم عدد من الملفات العقائدية والرعوية المطروحة.
ورغم هذا التوقف، لم تنقطع العلاقات الأخوية والاتصالات الكنسية بين الجانبين، إذ استمرت اللقاءات الدبلوماسية والإنسانية والمشاركات المشتركة في المؤتمرات والفعاليات الدولية، مع التأكيد المتبادل على الاحترام الكامل للتقاليد والإيمان الخاص بكل كنيسة.
وخلال هذه الفترة، جرت اتصالات ولقاءات تمهيدية عديدة بين ممثلي الكنيستين بهدف إعادة تفعيل مسار الحوار، خاصة في ظل الحرص المشترك على استمرار الشهادة المسيحية الموحدة في الشرق الأوسط والعالم. كما ساهمت اللقاءات المسكونية الدولية والزيارات المتبادلة في تهيئة مناخ جديد من التفاهم والثقة.
وفي عام 2026، قرر أعضاء المجمع المقدس استئناف الحوار اللاهوتي مع الكنيسة الكاثوليكية، بعد التأكيدات بعدم منح البركة للمثليين، والتي وردت في المكالمة الهاتفية بين قداسة البابا تواضروس الثاني وقداسة البابا لاون الرابع عشر يوم الجمعة 15 مايو 2026.
وبذلك أثبتت العلاقات بين الكنيستين، رغم ما مرت به من مراحل تقارب وتوقف، أنها تقوم على أساس راسخ من الاحترام التاريخي والرغبة المستمرة في الحفاظ على جسور التواصل والوحدة الروحية.














0 تعليق