تعيينات مصرفية جديدة في إيران وسط اتهامات بتدوير شبكات الفساد المالي

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

تواجه إيران تحديات اقتصادية وهيكلية متسارعة في ظل التعيينات المصرفية الأخيرة التي أثارت موجة عارمة من الانتقادات والجدل السياسي الواسع، حيث يرى مراقبون أن آليات اختيار القيادات المالية الجديدة تعكس اتساع الفجوة الكبيرة بين الشعارات البراقة التي رفعتها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان والواقع المرير الذي يعيشه النظام المالي، إذ تحولت هذه التغييرات إلى أداة لترسيخ النفوذ وتدوير الوجوه القديمة المتورطة في قضايا ريعية بدلاً من تحقيق الإصلاح الشامل ومكافحة شبكات الفساد المستشرية في مفاصل الدولة.

​وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية فإن الخبراء الاقتصاديين يشيرون إلى أن الأزمة المالية الحالية في دولة إيران تعود جذورها إلى تراكم الديون الضخمة وتزايد القروض المتعثرة بشكل غير مسبوق، إلى جانب التدخل السافر من قبل المؤسسات الأمنية والعسكرية في التحويلات المالية غير الشفافة التي تخدم مصالح جهات نافذة، مما يؤكد غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح هذه البنى التحتية المتهالكة التي تسيطر عليها شركات قابضة شبه حكومية وكيانات اقتصادية مقربة من دوائر القرار السياسي في طهران.

​وتشير السجلات الرسمية إلى أن التغييرات الإدارية التي شهدتها البنوك الحكومية وشركات التأمين خلال الأشهر الثلاثة الماضية لم تسهم أبداً في تبديد المخاوف الشعبية والنخبوية المرتبطة بأزمات الإدارة المتلاحقة، بل أعادت إلى الواجهة النقاشات القديمة حول نفوذ شبكات القوة واستمرار حضور البنى الريعية التقليدية، حيث بقيت شخصيات مصرفية مرتبطة بفساد تاريخي في صدارة المشهد المالي للبلاد، مما يشكل صدمة للمراهنين على وعود التغيير والشفافية الاقتصادية التي أطلقتها الحكومة الحالية.

​ويؤكد المنتقدون أن الحصة الأكبر من هذه التعديلات الإدارية الواسعة لم تكن تستهدف معالجة الاختلالات الهيكلية المتراكمة في النظام المالي بقدر ما أسهمت بشكل مباشر في تعزيز وتمكين الشبكات الإدارية القديمة، وهي ذات المجموعات التي وجهت إليها اتهامات متكررة خلال السنوات الماضية باستغلال الموارد المصرفية الوطنية الشحيحة، ومنح تسهيلات ائتمانية ضخمة وغير اعتيادية لشخصيات نافذة، مما تسبب في إغراق البنوك في مستنقع الديون والانهيار المستمر.

​عودة همتي والصراع المحتدم في كواليس المصرف المركزي

​بدأت موجة التغييرات المثيرة للجدل في دولة إيران مع صدور القرار الرسمي القاضي بتعيين عبدالناصر همتي رئيساً للبنك المركزي الإيراني في يناير الماضي، حيث حاولت وسائل الإعلام الحكومية تقديم هذه الخطوة بوصفها الركيزة الأساسية لبرنامج اقتصادي جديد يهدف إلى إعادة بناء الهيكل النقدي والمصرفي في البلاد، وأكدت التقارير الرسمية حينها وجود تنسيق كامل بين أعضاء الفريق الوزاري لتحقيق أهداف الرئيس بزشكيان في محاربة الريع ومكافحة الفساد المؤسسي.

​ورغم التأكيدات المتتالية التي أطلقها رئيس البنك المركزي الجديد بشأن عزمه الأكيد على إجراء إصلاحات جذرية وجوهرية في الجسم الإداري للمصارف، إلا أن التقارير الإعلامية المستقلة بدأت تكشف منذ الأسابيع الأولى طبيعة الشخصيات التي تم اختيارها لشغل المناصب الحساسة، حيث تبين أن الدائرة المغلقة من المديرين السابقين الذين يواجه بعضهم ملفات قضائية ساخنة قد عادت لتتصدر المشهد المالي والمصرفي وتتحكم في القرارات الإستراتيجية للدولة.

​ويرى المحللون أن المسار الفعلي للتعيينات الأخيرة في قطاع التأمين المركزي وفي البنك الوطني يعكس صراعاً صامتاً لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية بين التيارات السياسية، حيث جرت التعيينات بناءً على اعتبارات أمنية وسياسية وعلاقات نفعية تربط بين شبكات الفساد المصرفي، مما أثار حفيظة الصحافة الاقتصادية المقربة من الحكومة وصدم الخبراء الذين حذروا من خطورة تكرار السياسات الفاشلة واعتماد ذات الوجوه التي تسببت في الأزمات السابقة.

​ويعبر الخبراء عن قلقهم البالغ من ظاهرة الدورة المغلقة للمديرين داخل القطاع المصرفي والتأميني في إيران، حيث يعتقدون أن غياب الكفاءات الجديدة والشابة يعوق أي فرصة حقيقية للنهوض بالاقتصاد المتداعي، ويؤكد استمرار النظام غير الفعال الذي يعتمد على المحسوبية والولاءات السياسية بدلاً من المعايير المهنية والشفافية المطلوبة لإنقاذ المؤسسات المالية من الإفلاس المحتم، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية والعقوبات الدولية على النظام.

​البنك الوطني الإيراني وتحولات النفوذ المالي

​تركزت أنظار الأوساط الاقتصادية والإعلامية بشكل مكثف على التغيرات الإدارية العميقة التي شهدها البنك الوطني الإيراني، والذي يمثل الذراع المالي الأهم للحكومة والمحرك الأساسي للسياسات الائتمانية والتمويلية في البلاد، حيث بدأت كواليس هذا المصرف تشهد تجاذبات حادة منذ فبراير الماضي حول هوية المدير التنفيذي الجديد، وتواترت الأنباء عن سعي رئيس البنك المركزي لتعيين شخصيات مقربة منه لضمان السيطرة الكاملة على القرار المالي.

​ولكن وزير الاقتصاد قرر اتخاذ مسار مغاير تماماً للتوقعات السائدة عبر تعيين محسن سيفي كفشكري في منصب المدير التنفيذي للبنك الوطني الإيراني، وهو القرار الذي فجر موجة جديدة من النقاشات الحادة والجدل الواسع نظراً للسجل الإداري المثير للجدل لبعض المسؤولين المعينين حديثاً، مما ساهم في تعزيز القناعة لدى النخب الاقتصادية بأن الصراع الجاري هو صراع على النفوذ والموارد وليس توجهاً صادقاً للإصلاح المالي البنيوي.

​ويؤكد المحللون أن جوهر الأزمة الراهنة لا يرتبط مطلقاً بتغيير أسماء الأشخاص أو تبديل المواقع الإدارية، بل يكمن في استمرار النمط الإداري التقليدي والريعي الذي سمح على مدى العقدين الماضيين بتشكيل شبكات معقدة من الفساد والمصالح المتبادلة داخل المنظومة المصرفية، ولذلك فإن أي تعديل في رئاسة البنوك لن يحقق أي تحول ملموس ما لم تتبعه إجراءات صارمة وحقيقية لمراقبة كبار المدينين وضمان الشفافية.

​إن معالجة المعضلات المالية تتطلب إصلاحاً شاملاً لآليات منح القروض المليارية والرقابة اللصيقة على التحويلات المالية الكبرى، وهي خطوات يبدو أن الحكومة عاجزة عن تنفيذها بسبب الضغوط الكبيرة التي تمارسها مراكز القوى والشخصيات النافذة المستفيدة من الوضع القائم، مما يجعل من التعيينات الجديدة مجرد مناورة سياسية لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد جراء التدهور المستمر في مستويات المعيشة والارتفاع الجنوني لمعدلات التضخم.

​أزمات هيكلية وتساؤلات معلقة حول البنوك المتعثرة

​تتزايد التساؤلات الحائرة بين الخبراء والمراقبين حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الحكومة إلى تجاهل إدراج بعض البنوك الكبرى المتعثرة والتي تواجه ملفات فساد ومخالفات مالية جسيمة ضمن خطط التغيير العاجلة، حيث يعتبر غياب القرارات الجذرية بحق هذه المؤسسات دليلاً قاطعاً على أن شبكات النفوذ والفساد الاقتصادي لا تزال تمتلك القدرة الفائقة والسيطرة الكاملة لتوجيه القرارات الإدارية العليا وحماية مصالحها المالية من أي محاولات إصلاحية.

​ويرى المتخصصون أن النظام المصرفي في جمهورية إيران تحول عبر السنوات الماضية وبسبب غياب الرقابة الحقيقية وضعف الشفافية وتداخل المصالح السياسية والعسكرية إلى بيئة مثالية لنمو وتغلغل هذه الشبكات الاحتكارية النافذة، والتي تمكنت من السيطرة على الموارد المالية والتسهيلات الائتمانية الضخمة، واستغلالها في تمويل مشاريع خاصة وشركات قابضة شبه حكومية لا تسهم في التنمية الاقتصادية للبلاد بل تزيد من ثراء النخب الحاكمة.

​وتحذر التقارير الاقتصادية من أن التركيز المفرط للحكومة على تبديل المديرين وإعادة تدوير المناصب يهدف بالأساس إلى صرف الأنظار عن الأزمات الأكثر عمقاً وإلحاحاً، مثل النمو الانفجاري للسيولة النقدية والتقلبات الحادة في أسواق الصرف الأجنبي والارتفاع غير المسبوق في معدلات التضخم، فضلاً عن الانهيار المتواصل في قيمة العملة الوطنية، وهي معضلات فشلت الإدارات المصرفية الجديدة في وضع أي حلول علمية أو عملية للحد من آثارها الكارثية.

​وفي ظل هذه المعطيات المعقدة يبدو أن الشكوك حول وجود إرادة سياسية فعلية لمواجهة الفساد البنيوي في قطاع المال ستظل قائمة وتتوسع يوماً بعد يوم، حيث تظل التساؤلات مطروحة بقوة حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمثل بداية حقيقية لإصلاح شامل أم أنها مجرد جولة جديدة من صراع الأجنحة داخل النظام لإعادة تقاسم الحصص والامتيازات المالية والريعية على حساب مدخرات الشعب الإيراني.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق