الجليسة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

الإسكندرية ملاذ المأزوم، نصرة المهزوم.. غذاء المحروم، وموجها يبتلع الأسرار والهموم.

انتظار الجليسة أصبح أمرًا أسبوعيًا لا بد أنتهجه، قبل ثلاثة أسابيع كان النادل اعتاد أن يرانى فى هذا التوقيت بعد ظهر الخميس، على نفس الطاولة وراء زجاج الكافيتريا فى مواجهة البحر، أستمتع بالموج يحتضن همسى، يسمع مما أدونه فى نوتة أحتفظ بها.

اقترب النادل وهو يسحب فنجان القهوة الفارغ: ممكن أعرض على حضرتك مشورة؟

نظرت له متعجبًا- مشورة؟! 

اقترب مائلًا من أذنى، جليسة.. أقترح على حضرتك جليسة تؤنسك وقت وجودك هنا، ما رأيك؟

أبعدت عينى عنه رميت بصرى تجاه الموج، أدرت الفكرة سريعًا.

- موافق.

خلال دقائق كانت تجلس بجانبى.. بيضاء ممتلئة قليلًا، عيناها خضراوان، ترتدى بلوزة صفراء بلون الإيشارب الذى يتدلى من جانبيه خصلات من شعرها تميل للأصفر، بنطلون جينز أزرق.

- اسمى عبير.

- وأنا مراد.. إنت جميلة يا عبير.

استأذنت منها، دخلت الحمام.. فى المرآة عدلت من ملابسى، ملست بيدى المبلولة على شعرى ومسحت النضارة. 

- أنت متعودة الجلوس هنا؟ 

- ليس دائمًا.. بعد انتهاء عملى فى الفندق.

تأخرت عبير نصف ساعة عن موعدها، هاتفها مغلق أو غير متاح، اعتدت مجالستها، فى أول لقاء كان الزمن ساعة واحدة، اللقاء الثانى زاد إلى ساعتين بنفس السعر.. فى الجلسة الثالثة التى امتدت حتى ثلاث ساعات رفضت أى أجر.

تأخرت اليوم أكثر من نصف ساعة..

فى الجلسات الخمس السابقة كانت تأتى قبلى، تنتظرنى، كل يوم الهاتف لا ينقطع عن التواصل معها وحوارنا الذى دار حول كل شىء، هى تطمئن على وحدتى، وأنا أعرف تفاصيل ابنها وبنتها، ماذا أكلا ولبسا ودروسهما.. وهل تناول والداها العلاج وذهب الأرق عنهما وعرفا طعم النوم؟

لم أكن أعى أن هذه التجربة قد تؤثر فى مشاعرى ووجدانى أو تفسح لى مجالات أخرى عن كيفية رؤية الموج!

تأخرت عبير هذه الأربعينية الجميلة، هى لا تعرف أن الخوف بدأ يتسرب لمفاصلى التى بدأت ترتعش، غيابها كل هذا الوقت تركنى بين عاصفتين، عاصفة الوحدة الأولى التى امتلأت بوجودها وحكاياتنا معًا، ها هى عاصفة أخرى بعد مخزون ذكريات طوال الأسابيع الطويلة الفائتة.

تعرف يا أستاذ- كانت دائمًا تنادينى بالأستاذ- أنا لم أشعر ذات يوم أن لى عائلة، ليس لأننى لم أتزوج، ارتبطت بزوج مات وترك لى طفلين، عدت إلى أمى وأبى بعد طرد أعمام طفلى لنا.. أصعب دائرة لعائلة وأضيقها التى ليس فيها هذا البراح من الأعمام والأخوال والعمات والخالات، بالتأكيد كان لى أقارب سواء من جهة أمى أو من جهة أبى، لكن حياة أمثالنا لا تسمح بقيام العلاقات الحميمة معهم.

أيقظت عبير فى داخلى رائحة الوحدة التى أعانيها بعد رحيل الزوجة التى توفيت بعد أبى وسفر ولدى الوحيد لأوروبا، أصبحت أسيرًا لوظيفتى التى آثرت تركها بمعاش مبكر زهدًا فيما يذكرنى بعائلتى التى تركتنى، حنينًا للموج وشقة الإسكندرية، التى قضيت فيها شبابى والجامعة، لأننى أصبحت لا أطيق حديث جدران منزلى بالبلدة.

يومان أسبوعيًا تتسلل صدرى خلالهما رائحة البحر.

تأخرت كثيرًا عن موعدها، أراد النادل أن يأتينى ببديلة، جليسة أخرى، رفضت بحزم ودون أن أنظر لعينيه، أثارنى هذا الغياب حد التمزق، لأن أحدًا لم يبد اهتمامًا بى فى السنوات الأخيرة، كما اهتمت عبير، اجتاحنى لأول مرة شعور الغربة وطرح علامات الاستفهام فى العيون والأنوف والشفاه والخدود.. كأن الوجوه المحيطة بى تجمهرت فى مظاهرة صامتة تستفسر عمن أكون ولماذا أنا هنا طوال هذا الوقت؟

وأنا أهم بدفع الحساب والمغادرة فاجأنى النادل مبتسمًا - أستاذ.. عبير وصلت.

ألقت بنفسها بجانبى على الكنبة، تعتذر وهى تنهج، المكياج باهت، العينان مرهقتان.

- أبى فى المستشفى.

قلت دون تفكير: وجبت زيارته.. هيا بنا.

استبقتنى والنادل يقدم لها العصير: احتمال يخرج غدًا عندما تستقر حالته، وأمهد لزيارتك فى البيت.

دخلت مع عبير شقتهم بالدور الأرضى، مساكن أبو قير الشعبية، استقبلنا رجل فى نهاية الأربعينيات، تغطى وجهه لحية كثيفة، تتوسط جبهة رأسه الحليق دائرة كبيرة سوداء.. مد يده ضاغطًا على يدى، قدمته عبير: أخى الكبير.

الصالة صغيرة وامرأة عجوز تجلس على كنبة صغيرة، تسند ذراعها اليسرى على مخدتين ممتلئتين.

- السلام عليكم يا حاجة.

أدارت رأسها ناحية الصوت- مرحبًا يا أستاذ.. اتفضل.

مدت يمناها أمامها فذهبت يدى تحتضن كفها الرقيق الواهن.. كعينيها.. وضعت ما حملته كواجب زيارة من أكياس على طاولة صغيرة بالصالة.

دخلت عبير غرفة من غرفتى الشقة، تسللت رائحة البخور وكأننى دخلت غرفة فى السحاب، رجل طاعن ممدد فى منتصف سرير تتدلى منه الملاءة البيضاء، مغطى بلحاف أبيض، بجواره كومدينو وكرسى وحيد، أشار الرجل بالترحيب.

- اتفضل يا أستاذ، زارنا النبى.

هيأت عبير الكرسى، جلست.. خرجت عبير وقال الأخ الملتحى- حضرتك من إسكندرية؟ دون أن أنظر لتقطيب جبينه وزم عينيه.. رد والدها- الأستاذ نزيل الفندق الذى تعمل به عبير، وعندما علم بمرضى طلب الزيارة.

ملست على يد الأب مبتسمًا- ألف سلامة عليك يا حاج.

تناول الأخ صينية الشاى من عبير ووضعها على الكومدينو بجوار علب العلاج الكثيرة.

لاحظت أن عبير بدلت ملابسها، ارتدت عباءة بيضاء فضفاضة وخمارًا سماويًا حول وجهها الدائرى الوردى.. بدت كالقمر وسط سماء صافية، سمعت همهمتها مع أمها خارج الغرفة.

على الجدار المواجه للسرير صورة سعد زغلول وجمال عبدالناصر والسادات، تحتها صورة للرجل فى بداية الشيخوخة بشعر منمق وشارب مشذب، يرتدى حلة كاملة ورباطة عنق.

نظرت له، قلت بابتسامة مجاملة متذكرًا أبى فى مرضه الأخير، يبدو أنك سياسى قديم.. ربنا يعطيك الصحة والعافية. 

ابتسم الأب حاول الاعتدال، أجلسه ابنه نصف جلسة واضعًا وسادة خلف ظهره ثم نظر للصور وكأنه يستدعى ذاكرة بعيدة.

- اشتغلت فى مطابع محرم بك بعد الثورة ورأيت جمال عبدالناصر عند زيارته للمطابع، شد على يدى عندما عرف أننى أسهمت فى تطوير ماكينات وآلات الطباعة، أو بصفة خاصة أن ألتحق بكلية الهندسة مجانًا عند معرفته أننى حاصل على دبلوم الصنايع بتفوق، هذا ساعدنى كثيرًا فى القراءة والاطلاع خاصة فى التاريخ وسعد زغلول لأنه قاد الثورة المجيدة التى تجمع حوله فيها جميع طوائف الشعب.. حكايات الكبار فى المطبعة ممن اشترك فى هذه الثورة وساندوا الشيخ سيد درويش أفادونى كثيرًا.. سافرت بعدها روسيا لأنقل خبرات أكبر فى تطوير المطابع الأميرية، وأكون من ضمن مستقبلى الخبراء الروس فى مصر.. السادات نقلنى لمطابع الأهرام بالقاهرة لتميزى، أعطانى مكافأة كبيرة عندما علم بانهيار البيت الذى كنت أسكنه فى محرم بك، وقال لى بالحرف، إنت كبرت يا خليل ولا بد أن تتزوج، وأعطانى هذه الشقة فى منتصف السبعينيات بعد النصر، على وعد أنه سيمنحنى شقة أكبر بعد الإنجاب.. لكن القدر لم يمهله، بقيت فى هذه إلى أن خرجت للمعاش والولد والبنت بدآ يكبران.. الولد تزوج وسكن بجوار عمله بالكهرباء فى سيدى بشر.. وحضرتك عرفت ظروف عبير.

دخلت الأم تسحبها عبير: والنبى يا أستاذ عبير بنت حلال وست بيت شاطرة، شغلها فى حسابات الفندق بيساعد فى المصاريف والعلاج.. العلاج دائمًا ناقص فى التأمين الصحى.

نظرت لعبير متسائلًا عن طفليها، قالت مطأطأة رأسها: مع أولاد الجيران من سنهم بيلعبوا،

أعقبت أمها، حتى لايسببوا لك إزعاجًا، فى الغالب نحن فى حالنا لا يزورنا أحد.

كاد الرجل يكمل حديثه.. قاطعه الملتحى، يا والدى عبدالناصر أضاع البلد والسادات خربها وكمم الأفواه، الشعب لا يرى سياسة واضحة، كل القرارات على رقابنا بمختلف الحكومات.. ثم وجه السؤال فى عينى: وما رأيك يا أستاذ؟

قلت: ربما.. ثم هربت منه متوجهًا للمريض، المهم صحة الحاج خليل.

ابتسم الرجل قائلًا: ربما.. ثم نظر إلى عبير، اعملى قهوة الأستاذ.

حاولت الاعتذار لكنه صمم، قامت عبير لتعد القهوة.

خرجت ربما من فمى، ومن فم العليل أشبه ما تكون ببراءة الجنين، براءة الذى لا يدرى ولا يعرف، تذكرت أبى مرة أخرى، وعيت أن المأساة واحدة وأن الحياة برمتها تنويعات على نفس اللحن.

قدمت عبير القهوة، لأول مرة أرتشف القهوة بطعم القرنفل.. المرأة الواقفة المستندة على باب الغرفة تسمع بابتسامة صافية حديث زوجها الشجى عن تاريخه، عيناها مثبتتان فى فراغ الحجرة العلوى، تحمل خوفًا من المجهول رغم الابتسامة.. الملتحى جالسًا على طرف السرير يضع رأسه بين كفيه، يخفى وجهه العابس.. رفع رأسه كمن تذكر شيئًا.

- وحضرتك متعود تنزل فى الفندق الذى تعمل به عبير؟

انتبهت بسرعة أجبته، نعم.. فندق مريح وهادئ، خاصة فى هذه الأيام بعد شهور الصيف.

قالت الأم وهى تجوب بعينيها الغرفة كأنها تخاطب خيال الموج، يبدو عليك تحب البحر يا أستاذ، ثم أكملت.. أعجبتك القهوة بالقرنفل؟.. أبو عبير من اكتشفها علمنى عملها.

طرأ فى رأسى وأنا أشرف من الفنجان أتلذذ بالطعم الجديد، لماذا تقول المرأة أبو عبير ولا تقول أبو هذا الملتحى؟

- ياااه.. كانت أيام.

خرجت من فم الرجل تسحب قلبه وروحه، تترك عينيه تطبق على ذكريات.

- يوم حادث المنشية كان نفسى أرى عبدالناصر وجهًا لوجه، ذهبت مبكرًا للميدان، جلست على مقهى فى شارع الحقانية، رأيت الجرسون اليونانى يقدم لزبون فنجان قهوة رائحتها غزت أنفى، دون أن أميز رائحة هذا الغزو، شعرت بالميل للتجربة، سألت الجرسون عن تلك الرائحة، قال إنها قهوة بالقرنفل، طلبت مثلها.. أنعشتنى فعلًا، تغلل فى صدرى المذاق، سألته عن كيفية صناعتها.

قال الإجريجى- تطحن البن مع أعواد القرنفل أو تخلطه مع نسبة صغيرة من القرنفل المطحون.. 

ومن يومها أحتفظ بالبن والقرنفل المطحون، تعودت عليه وطلبت فنجانًا آخر بعد ساعة، وبثت الميكروفونات فى الميدان المزدحم صوته الذى علا بالحلم فى الوحدة بعد الجلاء.. ثم غطت على صوته الفوضى بعد إطلاق النار.. لكن الحلم بالسلام عليه ظل يراودنى حتى تحقق فى مطابع محرم بك.. ياااه يا أم عبير.

قام الابن يزفر وينظر فى ساعته قائلًا: كله تمثيليات.. أستأذنكم عندى عمل مهم.. ثم نظر لى يستحثنى على النهوض، ممكن أوصلك فى طريقى معى سيارة.

سحبت عبير أمها لتجلس مكانه على طرف السرير قالت: والنبى إنت شرفتنا، تبعها الحاج خليل، وحشنى المرسى جدًا، نفسى أزوره من زمان، المرض أقعدنى والمسافة بعيدة.. 

وضعت يدى على رأسه: غدًا أمر عليك نذهب لأبى العباس.

على درجة السلم المؤدى للشارع، حضنتنى عبير.. بينما قالت أمها فى الظلام: والنبى عبير بنت حلال.

كانت العينان تتسعان إلى الداخل تلملمان مشاهد الحكايات والأحداث التى سكنت فى القاع زمنًا بعد زمن، كأن زيارة المرسى إلهام لشهوة الحكى وسط اندفاع الموج برزازه اللذيذ على كورنيش بحرى، وشعور الرجل بارتداد الصحة، ربما كنتُ الصحبة المناسبة لهذه العائلة، وربما رأت المرأة ما لم نره وراء قلاع المراكب الساكنة على الشاطئ، يهم عمالها بتحضير الشباك لخوض غمار معركة بحرية مع الأسماك، الرجل ترك عكازيه على مقعد خاص بجواره، يعطى لنفسه مساحة التلذذ بتفصيص السمك وتنظيفه من الشوك ويضعه فى فم أم عبير.. عبير تغمز لى شعورًا بالسعادة على الوجوه ثم تميل على أذنى: نفسى أحضنك.

همست فى أذنها: وأنا أيضًا.

عندما نظرت حولى.. لم أجد الراوى العالم ببواطن الأمور قد حضر.. ارتاح صدرى لعدم تدخله بحجته وإضافته للسرد أعماقًا أكثر لوضوح الرؤية.

وجهت نظرى فى عمق البحر والشمس تبدأ فى الغرق عند نقطة التقاء السماء بالبحر السرمدية..

سرحت عيناى بين أحضان الشاطئ فخيم شىء من الحزن الصامت الذى ارتسم على زاوية فمى، ساعات قليلة وأعود أتقلص سرابًا تطارده نجوم الليل حتى تلجئه إلى الاختباء فى وضح النهار أيامًا أخرى حتى أعود إليهم.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق