.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تشكل القمة الأمريكية-الصينية المرتقبة بين الرئيس الأمريكي Donald Trump والرئيس الصيني Xi Jinping محطة مفصلية في مسار النظام الدولي، ليس فقط بسبب طبيعة التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم، وإنما لأنها تأتي في لحظة تشهد إعادة تشكيل موازين القوة العالمية تحت ضغط الحروب الإقليمية وأزمات الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. ومن ثم، تنظر مراكز التفكير الأمريكية إلى هذه القمة باعتبارها أكثر من مجرد لقاء ثنائي؛ فهي محاولة لإدارة أخطر علاقة استراتيجية في القرن الحادي والعشرين ومنع انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم شكل النظام الدولي بأكمله.
وتري مجموعه من مراكز التفكير الامريكيه أن القمة تنعقد في ظل تحول واضح في ميزان الثقة الاستراتيجية بين الطرفين. ففي حين كانت واشنطن خلال العقود الماضية تتحرك باعتبارها القوة القادرة على فرض قواعد النظام الدولي، تبدو الصين اليوم أكثر اقتناعاً بأن ميزان القوة يتحرك تدريجياً لمصلحتها، خاصة مع تصاعد الأزمات الأمريكية الداخلية وتزايد أعباء الحروب الممتدة في الشرق الأوسط وأوروبا. ويعكس هذا التحول ما يصفه الباحث الأمريكي Rush Doshi بمجلس العلاقات الخارجية CFR والذي يعد من أبرز العقول المؤثرة في التفكير الأمريكي تجاه الصين بفكرة أن “الشرق يصعد والغرب يتراجع”، إذ يرى أن بكين لم تعد تسعى فقط إلى تحسين موقعها داخل النظام الدولي القائم، بل تعمل تدريجياً على إعادة تشكيل هذا النظام بما يحد من الهيمنة الأمريكية ويمنح الصين موقع القوة المركزية في آسيا ثم على المستوى العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإن التنافس الحالي لم يعد خلافاً اقتصادياً عابراً وإنما تحول إلى صراع هيكلي طويل الأمد حول من يضع قواعد الاقتصاد العالمي، ومن يسيطر على التكنولوجيا المتقدمة، ومن يمتلك القدرة على تشكيل التحالفات والنفوذ الجيوسياسي خلال العقود القادمة.
وتجمع التحليلات الأمريكية علي إلى أن القمة تأتي هذه المرة في ظروف تمنح بكين قدراً أكبر من الثقة مقارنة بالسنوات السابقة. فالصين نجحت، رغم الضغوط في تعزيز استقلالها الصناعي والتكنولوجي، كما تمكنت من توسيع نفوذها التجاري والاستثماري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. والأهم من ذلك أنها استطاعت استخدام سيطرتها على المعادن النادرة وسلاسل التوريد الاستراتيجية كورقة ضغط فعالة ضد الولايات المتحدة ، اذ تشير التقديرات إلى أن بكين لجأت الي استخدام ورقه المعادن النادرة والمغناطيسات المتقدمة Rare earth minerals and advanced magnets خلال أزمات التجارة الأخيرة، وهو ما دفع واشنطن إلى التراجع عن بعض خطوات التصعيد.
وفي هذا السياق، لم يعد الصراع الاقتصادي يدور فقط حول التعريفات الجمركية، بل حول السيطرة على المواد الخام الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري للصناعات العسكرية والتكنولوجية الحديثة. فالصين تهيمن بدرجة كبيرة على معالجة المعادن النادرة والمغناطيسات المستخدمة في الصواريخ الدقيقة والأنظمة الإلكترونية المتقدمة وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية. ولهذا ترى المؤسسات الأمريكية أن بكين باتت تمتلك “رافعة جيوسياسية” جديدة تجعل من العسير على واشنطن ممارسة ضغوط اقتصادية تقليدية دون أن تتعرض هي نفسها لاختناقات استراتيجية خطيرة.
ومن أبرز القضايا التي ستفرض نفسها على جدول أعمال القمة ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة تنظر إلى تفوقها في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية Quantum computing وأشباه الموصلات باعتباره مسألة أمن قومي، بينما تعتبر الصين أن القيود الأمريكية على التكنولوجيا المتقدمة محاولة لإبطاء صعودها الاستراتيجي. ولهذا تتوقع التقديرات الأمريكية أن تشهد القمة نقاشات مكثفة حول وضع “قواعد اشتباك” في مجال الذكاء الاصطناعي، ليس بهدف التعاون الكامل، وإنما لمنع انزلاق التنافس إلى سباق غير منضبط قد يؤدي إلى أخطاء كارثية في المجالات العسكرية والنووية والسيبرانية.
أما قضية تايوان، فتظل نقطة الاحتكاك الأخطر بين الجانبين. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً من أمنها القومي ووحدتها الترابية، بينما ترى الولايات المتحدة أن الحفاظ على الردع في آسيا يمثل ركناً أساسياً في مصداقيتها الاستراتيجية أمام حلفائها. وتشير التحليلات الأمريكية إلى أن بكين قد تضغط خلال القمة من أجل تخفيف الدعم العسكري الأمريكي لتايبيه أو تعديل الخطاب الأمريكي بشأن استقلال الجزيرة، في حين تخشى واشنطن من أن يُفسَّر أي تراجع باعتباره إشارة ضعف استراتيجية قد تشجع الصين على خطوات أكثر جرأة مستقبلاً. ولهذا تبدو فرص التوصل إلى تسوية حقيقية في هذا الملف محدودة للغاية.
كما تلقي الحرب في الشرق الأوسط بظلال ثقيلة على أجواء القمة الأمريكية-الصينية، إذ لم تعد المواجهة مع إيران مجرد أزمة إقليمية محدودة، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية للطرفين. فالتقديرات الأمريكية تشير إلى أن الحرب أضعفت بعض أدوات النفوذ التقليدية لواشنطن، خاصة في مجال الطاقة وأسواق البترول، وأعطت الصين مساحة أوسع للتحرك باعتبارها شريكاً اقتصادياً أكثر استقراراً وأقل اندفاعاً عسكرياً بالنسبة لعدد كبير من الدول النامية والحليفة لواشنطن على السواء. كما أن استمرار التصعيد في الخليج يفرض ضغوطاً مباشرة على الاقتصاد العالمي ويزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، الأمر الذي يضع إدارة ترامب أمام معضلة مزدوجة: الحفاظ على الضغط على إيران من جهة، ومنع انهيار الاستقرار الاقتصادي العالمي من جهة أخرى.
وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى استخدام صادرات الطاقة كأداة نفوذ جيوسياسي، تواجه اليوم معضلة أكثر تعقيداً تتمثل في أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار البترول يمنح الصين فرصة استراتيجية لتعزيز نموذجها القائم على “الهيمنة الكهربائية” Dominance in electric technologies عبر الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة والسيارات الكهربائية وشبكات البطاريات العملاقة. فكلما ارتفعت أسعار البترول وتعاظمت المخاطر المرتبطة بممرات الطاقة التقليدية، ازدادت جاذبية النموذج الصيني الذي يروج لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والحد من التعرض للاختناقات الجيوسياسية طويلة الأمد، وهو ما يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها الصناعي والتكنولوجي عالمياً على حساب النفوذ التقليدي في مجال الطاقه للولايات المتحدة وحلفائها.
وفي هذا السياق، يبرز ملف العلاقات الصينية-الإيرانية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في القمة. فواشنطن تدرك أن قدرة إيران على الصمود عسكرياً واقتصادياً لا ترتبط فقط بإيرادات البترول ، وإنما أيضاً بشبكات الدعم التكنولوجي والعسكري وسلاسل التوريد المرتبطة بالصين وروسيا. ولهذا يُتوقع أن تضغط الولايات المتحدة بقوة خلال القمة من أجل دفع بكين إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه نقل المكونات العسكرية والتكنولوجية ذات الاستخدام المزدوج إلى إيران، بما في ذلك الإلكترونيات المتقدمة والرقائق والمغناطيسات الخاصة والطائرات المسيّرة ومكوناتها الدقيقة التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تطوير القدرات العسكرية الإيرانية. فالإدارة الأمريكية تعتبر أن أي تدفق مستمر لهذه المكونات يطيل أمد الصراع ويقوض فعالية العقوبات الغربية ويمنح طهران قدرة أكبر على إعادة بناء قدراتها العسكرية بسرعة.
ومن منظور استراتيجي أوسع، تدرك واشنطن أن الصين لا ترغب في انهيار النظام الإيراني بصورة كاملة، ليس فقط بسبب مصالحها الاقتصادية والطاقة، وإنما لأن سقوط إيران أو تفككها قد يؤدي إلى فوضى إقليمية تهدد مشروع “الحزام والطريق” The Belt and Road Initiative (BRI) وتعرض خطوط التجارة والطاقة الصينية الممتدة عبر آسيا الوسطى والخليج للخطر. لكن في المقابل، تدرك بكين أيضاً أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يهدد بشكل مباشر أمن الطاقة الصيني، خاصة أن بكين لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على واردات. البترول القادمة من الخليج العربي. ومن هنا يظهر أحد أهم دوافع القمة: محاولة التوصل إلى تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وبكين حول ضرورة منع الحرب من الوصول إلى مرحلة تهدد الملاحة الدولية في الخليج.
ولهذا تبرز قضية مضيق هرمز باعتبارها نقطة تقاطع استراتيجية بين المصالح الأمريكية والصينية. فالمضيق لا يمثل فقط ممراً حيوياً لصادرات الطاقه، بل شرياناً أساسياً للاقتصاد العالمي بأسره، وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة فيه سيؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة والتأمين والشحن. وتشير بعض التقديرات الأمريكية إلى أن واشنطن قد تسعى خلال القمة إلى دفع الصين نحو لعب دور أكثر وضوحاً في حماية حرية الملاحة الدولية، سواء عبر الضغط على طهران لعدم استهداف المضيق أو من خلال دعم ترتيبات أمنية بحرية متعددة الأطراف تضمن بقاء خطوط التجارة والطاقة مفتوحة.
ومن هنا، فإن أحد السيناريوهات المطروحة داخل دوائر التفكير الأمريكية يتمثل في إمكانية بلورة نوع من “التفاهم غير المعلن” بين الولايات المتحدة والصين، يقوم على قاعدة أن أمن مضيق هرمز يمثل مصلحة مشتركة تتجاوز التنافس الاستراتيجي بينهما. فالصين، رغم تنافسها الحاد مع واشنطن، لا تملك مصلحة حقيقية في رؤية الخليج يدخل حالة فوضى شاملة قد تشل الاقتصاد العالمي وتضرب نموها الصناعي القائم على الاستقرار التجاري والطاقة الرخيصة. كما أن الولايات المتحدة تدرك أن ضمان أمن الممرات البحرية العالمية أصبح يتطلب، بصورة أو بأخرى، نوعاً من التنسيق مع القوى الكبرى المنافسة، وفي مقدمتها الصين
وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى استغلال القمة للحفاظ على الهدنة التجارية الهشة بين البلدين ومنع مزيد من التصعيد الاقتصادي، خاصة في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. ولهذا ترجح معظم التقديرات الأمريكية أن تسفر القمة عن تفاهمات جزئية تتعلق بالمعادن النادرة ومشتريات الطائرات الأمريكية والصادرات الزراعية وبعض القيود التكنولوجية، دون الوصول إلى اختراق استراتيجي شامل.
ومن المتوقع أيضاً أن تشهد القمة محاولة لبناء آليات أكثر انتظاماً لإدارة الأزمات، بما في ذلك خطوط اتصال عسكرية وتقنية وقنوات حوار خاصة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وذلك بهدف تقليل احتمالات سوء التقدير بين القوتين. غير أن المشكلة الأساسية، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، لا تتعلق فقط بإنشاء آليات الاتصال، وإنما بمدى استعداد الطرفين لاستخدامها فعلياً وقت الأزمات، في ظل التراجع العميق في الثقة المتبادلة بين واشنطن وبكين.
وعلى المستوى الاستراتيجي الأوسع، تكشف القمة عن انتقال الولايات المتحدة من مرحلة “الهيمنة المنفردة” إلى مرحلة “التنافس المُدار”. From unipolar dominance to managed competition فواشنطن باتت تدرك أن احتواء الصين بشكل كامل لم يعد ممكناً، وأن التحدي الحقيقي يكمن في بناء شبكة تحالفات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية قادرة على موازنة النفوذ الصيني على المدى الطويل. ولهذا تتزايد داخل الدوائر الأمريكية الدعوات لتعزيز التعاون مع اليابان والهند وأستراليا وأوروبا، باعتبار أن الصراع مع الصين لم يعد مجرد صراع ثنائي، بل تنافس عالمي على شكل النظام الدولي المقبل.
وفي المحصلة، تبدو القمة الأمريكية-الصينية أقرب إلى محاولة لمنع الانفجار وليس إنهاء التنافس. فالقضية الأساسية لم تعد خلافاً مؤقتاً حول التجارة أو الرسوم الجمركية، وإنما صراعاً تاريخياً حول من يقود القرن الحادي والعشرين: الولايات المتحدة التي أسست النظام الدولي الحالي بعد الحرب العالمية الثانية، أم الصين التي تسعى تدريجياً إلى إعادة تشكيل هذا النظام بما يعكس صعودها الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي. ولهذا، حتى إذا نجحت القمة في تخفيف التوتر مرحلياً، فإنها لن تنهي حقيقة أصبحت راسخة داخل التفكير الاستراتيجي الأمريكي: أن مستقبل النظام الدولي سيتحدد إلى حد كبير وفق مسار التنافس الأمريكي-الصيني خلال السنوات القادمة.
السفير عمرو حلمي


















0 تعليق