.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في قلب "أكاديمية الفنون" يبرز اسم الدكتورة ثناء هاشم رئيس قسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما كواحدة من أهم حراس "الكلمة" في صناعة السينما المصرية.
في حوارها مع الـ"الدستور" نغوص في فلسفة السيناريو ونناقش أزمات "الورق" المعاصرة ونواجه خرافات الوسط الفني ونحلل بعين الخبيرة كيف يمكن لكاتب السيناريو أن يظل "صحفيًا ومحققًا" في آن واحد من "واقعية" بركات وشاهين إلى "تحديات" المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.. حوار يجمع بين "حرفة" الصنعة و"سحر" الإبداع، لنكتشف كيف تكتب السينما المصرية.
كيف تشكلت هوية السيناريست المصري عبر المحطات الفاصلة بين عصر السينما الصامتة وعصر الاستوديوهات الكبرى؟
يجب أن نوضح أن مهنة كاتب السيناريو لم تكن موجودة مع ظهور السينما في مصر، السينما دخلت مصر يوم 5 نوفمبر عام 1896، وكانت في الأساس امتدادًا لاختراع عالمي له وكلاء في مختلف الدول، ودخلت مصر كنوع من الترويج لهذا الاختراع، في البداية كانت الأفلام تصور في الشوارع، وكانت أقرب إلى التسجيلية، بل إن مفهوم الفيلم التسجيلي نفسه لم يكن قد تبلور بعد.
ومع الوقت بدأت السينما تتطور تدريجيًا حتى ظهر عام 1927 أول فيلم روائي طويل وهو فيلم «ليلى»، والذي نؤرخ به لتأسيس صناعة السينما في مصر، نحن في الحقيقة نؤرخ لصناعة السينما بثلاث محطات مهمة: أول فيلم روائي طويل، وأول فيلم مدفوع التذاكر ضمن دورة إنتاج كاملة، وأول استوديو احترافي ثابت، وأول استوديو كان عام 1917، وهو الاستوديو الإيطالي.
متى بدأت مهنة كاتب السيناريو في الظهور بشكل واضح للعيان؟
لم تظهر مهنة كاتب السيناريو بشكل حقيقي إلا مع دخول الصوت إلى السينما، قبل ذلك كان السيناريو يعتمد أساسًا على تتابع الصور، وكان صناع الفيلم يشتركون في بناء الشكل البصري، لكن مع ظهور الصوت أصبح هناك احتياج لكتابة الحوار.
أول تجربة لدخول الصوت كانت في فيلم «زينب» عام 1930، وكان نصف صامت، إذ بلغ طوله 3400 متر، وكان من بينها 2000 متر تحتوي على صوت، وتمت طباعته في فرنسا، أما أول فيلم ناطق بالكامل فكان فيلم «أولاد الذوات» عام 1932، هنا بدأت تظهر فكرة أن هناك شخصًا مسؤولًا عن الكتابة، خاصة كتابة الحوار، لذلك لجأ صناع السينما إلى كتاب المسرح والرواية، ولهذا نجد أن الأفلام الأولى كانت مليئة بما يمكن وصفه بـ "الثرثرة الأدبية"، لأن الكتاب كانوا قادمين من خلفية أدبية ومسرحية.
متى تبلورت مهنة السيناريست بشكل احترافي ومستقل؟
مع الأربعينيات بدأت المهنة تتبلور بشكل واضح، وأصبح هناك كاتب سيناريو وكاتب حوار بشكل احترافي، دخل المجال عدد كبير من الكتاب، منهم بديع خيري الذي كتب مع نجيب الريحاني، وكذلك عبد الحي أديب وغيرهم، ولم يكن شرطًا أن تكون مهنتهم الأساسية كتابة السيناريو، لكنهم كانوا يشاركون في الكتابة السينمائية.
كيف بدأ ارتباط الأديب العالمي نجيب محفوظ بالسينما؟
نجيب محفوظ لم يدخل السينما باعتبارها مشروعه الأساسي، فهو في الأصل روائي، لكنه من خلال صداقته القوية بالمخرج صلاح أبو سيف بدأ العمل في السينما، وشارك معه في عدد كبير جدًا من الأفلام، وصلاح أبو سيف نفسه أحدث نقلة نوعية في السينما المصرية، إذ نقلها من الميلودراما التقليدية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بفكرة الضمير والتراجيديا الإنسانية، ومن أبرز هذه المحطات فيلم «لك يوم يا ظالم» عام 1951، وكان نجيب محفوظ يشارك في كتابة السيناريو.
واستمرت شراكتهما لفترة طويلة منذ الأربعينيات، حتى جاءت أول رواية لنجيب محفوظ يتم تحويلها للسينما بشكل مباشر، وهي «بداية ونهاية» عام 1960، وقبل ذلك كان محفوظ يشارك في كتابة السيناريوهات أو يكتب ما كان يسمى بـ «القصة السينمائية» أو المعالجة، ثم يشارك آخرون في كتابة الحوار، وهناك أفلام كثيرة لا ينتبه الجمهور إلى أن نجيب محفوظ كان مشاركًا فيها، مثل فيلم «بين السماء والأرض»، إذ كان هو كاتب القصة السينمائية له.
ماذا عن تأسيس الدراسة الأكاديمية للسيناريو؟ متى انتقلنا من "الهواية" إلى "العلم"؟
هذه كانت نقطة تحول مهمة جدًا، ففي عام 1958 أسس المخرج الكبير صلاح أبو سيف معهد السيناريو، لأنه كان يرى أن ترسيخ قواعد المهنة يحتاج إلى كيان أكاديمي يعلمها، وبالتالي تنتقل الممارسة من مجرد تجربة إلى حرفة احترافية، وكان يدرس في هذا المعهد عدد كبير من أدباء مصر، مثل إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، وفتحي غانم وغيرهم، وبعد إنشاء المعهد العالي للسينما عام 1960 تم ضم معهد السيناريو إليه، وأصبح قسم الإخراج والسيناريو قسمًا واحدًا داخل المعهد.
هل تعتقدين أن السينما المصرية تخلت عن الكاتب الفرد لصالح فكرة "ورشة الكتابة" المنتشرة حاليًا؟ وما أصل هذا النظام؟
ما يحدث حاليًا مرتبط بتحولات صناعة الإنتاج نفسها، وليس بإلغاء دور الكاتب، ورش الكتابة ليست اختراعًا مصريًا، لكنها نظام أمريكي في الأصل، ظهر مع زيادة حجم الإنتاج، خصوصًا مع المسلسلات الطويلة متعددة الأجزاء، في التجربة الأمريكية، نجد نموذجًا واضحًا مثل مسلسل «The Bold and the Beautiful»، الذي يعد من أوائل الأعمال التي كتبت بنظام الورش أو “برامج السيناريو”، الفكرة هناك تقوم على توزيع الأدوار داخل فريق كتابة: شخص يكتب خطوطًا درامية معينة، وآخر يركز على الرومانسية، وآخر على الكوميديا، ثم يأتي ما يعرف بـ الكاتب المشرف، الذي يعيد صياغة كل هذه الخطوط في لغة واحدة متجانسة، إذن الورشة هي نظام إنتاجي يشبه المصنع، هدفها التعامل مع حجم إنتاج كبير في وقت محدود، وليست فكرة " Hand Made" أو كتابة فردية.
لكن هل يطبق هذا النظام في العالم العربي بنفس الدقة المهنية؟
ليس تمامًا، هناك خلط في فهم مفهوم الورشة في العالم العربي، في بعض الحالات يتم التعامل معها بشكل غير مهني، كأن يكتب العمل بواسطة أكثر من شخص ثم ينسب لاسم واحد فقط، وهذا ليس هو المفهوم الحقيقي للورشة، الورشة في أصلها لها قواعد واضحة، وليست مجرد تقسيم أسماء، بل هي منظومة عمل جماعي منظم.
هل أثرت الورش على "الهوية الفنية" للسيناريو المصري؟
بالتأكيد، أحيانًا يمكن ملاحظة اختلاف واضح داخل العمل الواحد، حتى إن المتلقي قد يشعر أن هناك أكثر من “صوت” داخل السيناريو، ويمكن أحيانًا استنتاج اختلاف الكتاب، بل وربما الإحساس إن كان الكاتب رجلًا أو امرأة من خلال بعض الخطوط الدرامية، المشكلة هنا تمس جوهر الكتابة، فالكتابة هي “فكرة” و“وجهة نظر”، عندما نعمل داخل ورشة دون وجود رؤية مركزية متماسكة، يضيع المعنى وتتشتت وجهة النظر.
بالنسبة لفيلمي “الأرض” و“الحرام”، ما الذي يميز بناء السيناريو فيهما؟
عند الحديث عن فيلم «الأرض»، يجب أن نفهم أن السينما المصرية نشأت على الميلودراما، أي الصراع الحاد بين الخير المطلق والشر المطلق، والميلودراما ليست سيئة إذا أحسن استخدامها، وفيلم «الأرض» يعد نموذجًا استثنائيًا، بل هو أعلى صور الميلودراما الخلاقة، هو صراع تقليدي لكنه لا يعتمد على الحلول السهلة، بل يتم بناؤه دراميًا بشكل معقد وواع، استطاع يوسف شاهين أن يحول الصراع من مجرد مواجهة إلى بنية كثيفة وعميقة في التعبير عن الواقع.
أما فيلم «الحرام» المأخوذ عن رواية يوسف إدريس، فهو مثال لـ “النقل الأدبي الأمين” (Adaption) الفيلم حافظ على البنية العامة للرواية، وقدم المخرج هنري بركات ما يعرف بـ “الواقعية الشعرية”، أي تقديم الواقع كما هو دون فجاجة، بل برهافة جمالية، كما حمل الفيلم قدرًا من التسامح والتفهم الاجتماعي تجاه المرأة الريفية التي تقع في الخطأ، مما يعكس طبيعة الريف في تلك المرحلة.
هل كانت الشخصيات النسائية أكثر تعقيدًا في تلك الفترة؟
في الحقيقة، السينما المصرية في تلك الفترة كانت ذكورية في بنيتها، دراسات الناقد رؤوف توفيق تشير إلى أن صورة المرأة كانت غالبًا هامشية، كتابعة للرجل (الحبيبة أو الظل)، وليس ككيان مستقل له طموحات فكرية واضحة خارج إطار العلاقة العاطفية.
ما أكثر خرافة منتشرة في الوسط الفني عن كتابة السيناريو ترغبين في تصحيحها؟
أكثر خرافة هي فكرة أن “معندناش ورق”، وكأن السينما تعمل دون سيناريو مكتوب، وهذا غير صحيح، المشكلة ليست في غياب الكتابة، بل في تغير دورة الإنتاج، في الماضي كان الكاتب يذهب مباشرة للمنتج، اليوم الصناعة قائمة على كيانات إنتاج كبيرة، والوصول إليها يخضع للمعرفة الشخصية والترشيحات لا التقييم الموضوعي.
هل هناك نقص في الكتاب الجيدين؟
على الإطلاق، كل عام يتخرج عدد كبير من الكتاب الجيدين من المعاهد المتخصصة، وهناك أعمال قوية جدًا تكتب لكنها لا تجد طريقها للتنفيذ بسبب منظومة الإنتاج وآليات الاختيار.
هل يمكن لإخراج سيء أن يفسد سيناريو جيد؟
نعم، وهذا يحدث كثيرًا تحت فكرة “موت المؤلف”، الكاتب يملك عمله حتى لحظة التصوير فقط، في التسعينات وبداية الألفينات، حدثت فجوة كبيرة بين النص المكتوب وما يظهر على الشاشة بسبب ضعف الرؤية الإخراجية أو التدخلات الإنتاجية، السينما عمل ذهني، وليست مجرد ضخ أموال.
ما دور التدقيق والمعايشة في خلق نص سينمائي حقيقي؟
الكاتب الحقيقي هو من يملك قدرة دائمة على ملاحظة البشر، يجب أن يجمع بين كونه صحفيًا ومحققًا، الكاتب الذي ينغلق على نفسه ينتج نصًا مليئًا بـ "الكليشيهات"، التدقيق القانوني والطبي والمهني يمنح العمل قيمته، فالسيناريو ليس مجرد لحظة إلهام، بل عملية هضم وتمثيل للواقع قد تستغرق سنوات.
ما هو أخطر خطأ يقع فيه طلاب السيناريو؟
الاعتقاد أن السيناريو عمل مكتمل ومقدس مثل الرواية، السيناريو في جوهره “أداة تنفيذ”، يجب أن يكون مرنًا وقابلًا للتعديل وفق وجهة نظر المخرج وفريق الإنتاج، هو يكتب لينفذ، لا ليقرأ فقط.
هل اختفت الرمزية في السينما الحديثة؟
الرمزية لم تختفي، لكنها فقدت أحيانًا عمقها، الرمزية الحقيقية تظهر عندما يريد الفنان تجنب الصدام المباشر أو تقديم فكرة أوسع، المهم أن تكون مبنية بذكاء، وليست مجرد إشارة مباشرة تقول: "هذا هو المعنى".
في السيناريو.. أيهما يسبق الآخر: الشخصية أم الحدث؟
الإعلام يعتمد على الحدث، أما الدراما فتعمد على "الإنسان داخل الحدث"، الحدث وحده لا يكفي، الكتابة القوية تبدأ من سؤال: “من هذا الإنسان؟ ولماذا يفعل ما يفعله؟” وأصعب شخصية هي “البطل”، لأنه مركز البناء، الشرير أكثر حرية وجاذبية، لكن إذا ضعف البطل، ينهار البناء كله.
لو أُتيحت لكِ فرصة إعادة كتابة فيلم مصري، ماذا تختارين؟
سأختار فيلم «باب الحديد» لثقله الفني وارتباطه بالمكان، وأتمنى كتابة فيلم «المصير»، فبصفتي دارسة للفلسفة الإسلامية، أدرك قيمة ابن رشد، بناء «المصير» قوي، لكن الحوار كان يحتاج عمقًا أكبر يتسق مع ثقل الفكرة.
فيلم ترين أنه ظلم نقديًا؟
فيلم «خريف آدم» للمخرج الراحل محمد كامل القليوبي، هو عمل مهم جدًا مأخوذ عن قصص محمد البساطي، لكنه لم يكتشف نقديًا بالشكل الذي يستحقه إخراجيًا أو كتابيًا.
كيف نصل لـ "العالمية"؟ هل بتقليد السينما الغربية؟
لا، العالمية تأتي من التعبير عن الخصوصية بعمق، نجيب محفوظ لم يكتب عن أوروبا، بل كتب عن القاهرة والإسكندرية فقط، وأصبح عالميًا لأنه رفع المحلي إلى مستوى إنساني شامل، العالم لا ينتظر منك أن تشبهه، بل أن يراك أنت بصدقك.
ما تأثير المنصات الرقمية على هيكل السيناريو؟
المنصات أعادت فكرة الحلقات القصيرة (6 أو 10 أو 15 حلقة)، وهو الأصل في الدراما قبل أن يتم تثبيت نظام الـ 30 حلقة لأسباب تسويقية مرتبطة بشهر رمضان، شطارة الكاتب الآن أن يحدد الشكل المناسب للفكرة دون حشو أو إطالة تسبب ترهلًا دراميًا.
هل يهدد الذكاء الاصطناعي مهنة الكاتب؟
قد يساعد في تنظيم المعلومات أو توليد أفكار أولية، لكنه لا يحل محل الإبداع البشري، الإبداع تجربة إنسانية قائمة على العاطفة والمعايشة، الأفلام المولدة بالذكاء الاصطناعي باردة وتفتقر للإحساس الحقيقي.
ختامًا.. ما هي نصيحتك للجيل القادم من الكتاب والممثلين؟
التطوير المستمر، الكاتب يجب أن يظل على اتصال بالناس، والممثل يجب أن يكون صاحب عقل ووعي وثقافة، الفن ليس حالة ثابتة، بل هو تراكم وتجدد وفهم عميق للحياة، جوهر السيناريو الجيد هو الحوار المتقن والبناء الإنساني الذي يجعل الشخصيات “تقول ما تحتاج أن تقوله”، بصدق وذكاء.















0 تعليق