.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
حين صدر قانون الأزهر رقم 103 لسنة 1961م، كانت فكرته الجوهرية - كما كشفت المذكرة الإيضاحية - تقوم على صناعة نموذج جديد للمتعلم الأزهري، يجمع بين علوم الدين وعلوم الحياة، ويكون قادرًا على المشاركة في النهضة والإنتاج والتقدم، لا مجرد حافظ للنصوص أو ناقل للتراث، وكان واضحًا أن المشرّع أراد أن يخرج بالأزهر من دائرة “المؤسسة التعليمية التقليدية” إلى فضاء المؤسسة الحضارية القادرة على صناعة الإنسان المتكامل.
لكن الواقع الحالي لقطاع المعاهد الأزهرية يكشف بوضوح أن المسافة بين النص والطموح من جهة، وبين التطبيق والواقع من جهة أخرى، أصبحت مسافة واسعة ومؤلمة.
فالمعاهد الأزهرية اليوم تواجه أزمات متراكمة لم تعد خافية على أحد، تبدأ من كثافة المناهج الدراسية وتشعبها، مرورًا بصعوبة المقررات الشرعية والعربية دون تحديث كافٍ في طرق عرضها أو تبسيطها، وصولًا إلى العجز الواضح في الكوادر التعليمية المتخصصة، خاصة في المواد العلمية واللغات، فضلًا عن تراجع الإمكانيات والبنية التحتية في عدد كبير من المعاهد، وتهالك بعض المباني، وضعف المعامل والوسائل التعليمية، وارتفاع كثافات الفصول بصورة تتعارض مع أي معايير تعليمية حديثة.
والحقيقة أن المشكلة لم تعد مجرد أزمة تعليم، بل أصبحت أزمة هوية تعليمية، إذ يشعر كثير من أولياء الأمور أن الطالب الأزهري يتحمل عبئًا دراسيًا ضخمًا يفوق أقرانه في التعليم العام، دون أن يقابل ذلك بالضرورة تفوق نوعي حقيقي في سوق العمل أو في فرص التطور العلمي، ومن هنا بدأت ظاهرة التحويل من التعليم الأزهري إلى التعليم العام تتزايد بصورة مقلقة، ليس رفضًا للأزهر ذاته، بل خوفًا من تعقيد المسار التعليمي وضعف المرونة المستقبلية للطلاب.
كما أن أوضاع المعلمين والمشايخ داخل قطاع المعاهد تحتاج إلى مراجعة شاملة، فالمعلم الأزهري يتحمل أعباء ضخمة في ظل نقص واضح في الحوافز والإمكانات والتدريب والتطوير المهني، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية، ولا يمكن الحديث عن تطوير الأزهر دون بناء معلم أزهري حديث يمتلك أدوات العصر، ويستطيع الجمع بين الأصالة العلمية والقدرة على التواصل والفهم التربوي والتكنولوجي الحديث.
ومن هنا يصبح تحديث قطاع المعاهد الأزهرية ضرورة وجودية، وليس مجرد إصلاح إداري محدود، فهذه المعاهد يجب أن تتحول إلى نموذج تعليمي متكامل يُنتج مواطنًا متدينًا واعيًا، قادرًا على التفكير والإبداع والعمل والإنتاج، يجمع بين القيم الدينية والمهارات العلمية والحياتية، بما يحقق بالفعل رؤية المشرّع التي نصت عليها المذكرة الإيضاحية للقانون منذ أكثر من ستين عامًا، والتي لا تزال حتى اليوم تنتظر التطبيق الكامل.
ثم نأتي إلى ملاحظات ختامية، حيث أن إعادة بناء منظومة اختيار القيادات داخل الأزهر أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير المناهج ذاتها، فإذا تأملنا تشكيل لجان اختيار القيادات داخل المجلس الأعلى للجامعات، نجد أنها تضم وزراء سابقين، وخبرات أكاديمية وإدارية وقانونية متنوعة، بما يضمن قدرًا من التوازن والخبرة والتقييم المؤسسي الحقيقي، بينما لا تزال بعض آليات الاختيار داخل مؤسسات الأزهر بحاجة إلى مزيد من الضبط المؤسسي والاستفادة من الخبرات الوطنية الكبرى.
ومن هنا، فإن إعادة تشكيل لجنة القيادات بالأزهر يجب أن تتم بصورة أكثر إحكامًا، بحيث تكون برئاسة الإمام الأكبر شيخ الأزهر نفسه، وتحت مسؤوليته المباشرة، مع ضم نخبة من الوزراء السابقين وأهل الخبرة والشخصيات العامة المتخصصة، إلى جانب قيادات أزهرية مشهود لها بالكفاءة والحياد والخبرة، وأن تكون لهذه اللجنة لائحة ثابتة واضحة ومعايير معلنة وشفافة، تضمن الاختيار على أساس الكفاءة والقدرة لا المجاملة أو الأعراف غير المكتوبة.
كما يجب الحذر من التوسع في نظام (القائم بالأعمال) في الوظائف القيادية، بحيث لا يجوز استمرار أي مسؤول قائمًا بالأعمال لأكثر من ثلاثة أشهر إلا لضرورة قانونية استثنائية، فاستمرار المسؤول في وضع مؤقت يفقده الاستقلال الحقيقي في اتخاذ القرار، ويجعله دائم القلق من تغييره في أي لحظة إذا لم يستجب لتوجيهات قد تكون أحيانًا غير مبررة أكاديميًا أو إداريًا، بينما التعيين الرسمي بقرار محصن صادر من الإمام الأكبر أو من رئيس مجلس الوزراء - بحسب الأحوال - يمنح شاغل المنصب استقلالًا وظيفيًا واستقرارًا مؤسسيًا يسمح له بالإبداع واتخاذ القرار دون خوف أو تردد.
بل إن عدم التعيين الفعلي على الوظائف القيادية يحرم شاغلها كذلك من حقوقه الوظيفية الطبيعية، ويعطل مساره الإداري والأكاديمي، ويخلق حالة من السيولة الإدارية التي تضر بالمؤسسة كلها، لأن القيادات المؤقتة بطبيعتها تميل غالبًا إلى تجنب القرارات الكبرى أو الإصلاحات الجذرية خشية الاصطدام أو الإعفاء.
أما ملف الدراسات العليا داخل جامعة الأزهر، فهو من أكثر الملفات التي تحتاج إلى تدخل تشريعي وتنظيمي صارم، وربما حال الدراسات العليا في الجامعات المصرية يحتاج إلى مراجعة دقيقة، فلا يُعقل أن تتحول بعض برامج الدراسات العليا إلى مسارات مرهقة ومحبطة، ترتفع فيها نسب الرسوب بصورة تتجاوز نسب النجاح، أو يصبح الحصول على الدرجات العلمية في بعض الحالات أقرب إلى المنحة أو قائم على الرضاء الشخصي منه إلى معيار التفوق والبحث العلمي الحقيقي، خاصة في الكليات العملية مثل الطب والصيدلة والهندسة.
ويجب أن ينص القانون بوضوح على آليات لمحاسبة الأقسام العلمية على نتائج المقيدين بها، وعلى جودة العملية البحثية، وعلى معدلات الإنجاز والتخرج، وأن يخضع المشرفون واللجان العلمية لتقييم دوري حقيقي، مع وضع نصوص تأديبية تصل إلى العزل في حالة ثبوت تعمد تعطيل الباحثين أو إساءة استخدام السلطة الأكاديمية أو عرقلة مسارات البحث العلمي دون مبرر علمي حقيقي.
فإحباط الباحثين الشباب، وتعطيل مساراتهم العلمية، وتأخير مستقبلهم المهني، يدفع كثيرًا من الكفاءات إلى الهجرة للخارج أو الانسحاب من المجال الأكاديمي بالكامل، وهو ما يمثل نزيفًا خطيرًا للعقول والكفاءات داخل كل الجامعات المصرية، بينما يفترض أن تكون منارة علمية كبرى، والأزهر يجب أن يكون هو القدوة في العدالة العلمية والبحثية لبقية الجامعات، لا أن تتكرر داخله أزمات البيروقراطية الأكاديمية التي يعاني منها الجميع.
كما أن ملف تعيين أوائل الخريجين يحتاج إلى ضبط واضح وحاسم، فلا يجوز أن يبقى المتفوقون سنوات طويلة في انتظار التعيين بالمخالفة لتوجهات الدولة وحرص رئيس الجمهورية المتكرر على دعم أوائل الخريجين والاستفادة من الكفاءات الشابة، لأن ترك المتفوقين دون استيعاب حقيقي لا يؤدي فقط إلى فقدان الكفاءات، بل يخلق أيضًا شعورًا عامًا بالإحباط وفقدان الثقة في العدالة المؤسسية.
ومن الضروري كذلك أن يتضمن القانون الجديد تنظيمًا أكثر وضوحًا لمسألة الظهور الإعلامي لأعضاء هيئة التدريس والعاملين بالأزهر، بما يحفظ حرية الرأي العلمي المنضبط، وفي الوقت ذاته يمنع الفوضى الإعلامية أو استغلال الصفة الأزهرية في إثارة الجدل أو نشر آراء شاذة أو غير منضبطة تسيء إلى صورة المؤسسة والدولة معًا.
كما يجب أن يعيد القانون تنظيم ملف الموارد الذاتية والوحدات ذات الطابع الخاص، وآليات الرقابة عليها، وتحديد العلاقة بين الأزهر وأجهزته المالية والإدارية المختلفة بصورة أكثر شفافية وانضباطًا، مع تعزيز دور الرقابة والمتابعة المؤسسية الحديثة، والتحول الرقمي الكامل، وربط الأداء بمؤشرات قياس حقيقية.
وفي النهاية، فإن الحديث عن قانون جديد للأزهر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره صراعًا مع مؤسسة عريقة، بل على العكس تمامًا، هو محاولة لحماية هذه المؤسسة التاريخية وإعادة تأهيلها قانونيًا وإداريًا لتواكب العصر وتحافظ على دورها العالمي ومكانتها الدستورية والدينية الفريدة، فالأزهر ليس مجرد جامعة أو هيئة دعوية، بل أحد أهم أعمدة القوة الناعمة المصرية، وأحد أخطر خطوط الدفاع عن الهوية والاعتدال والاستقرار الفكري في العالم الإسلامي كله.
ولهذا، فإن تطوير القانون لم يعد ترفًا فكريًا أو مطلبًا إداريًا محدودًا، بل أصبح ضرورة وطنية ودستورية وحضارية، حتى يظل الأزهر قادرًا على أداء رسالته الكبرى في صناعة الإنسان، وحماية الوعي، وربط الدين بالحياة، والعلم بالإنتاج، والإيمان بالتقدم، كما أراد له المشرّع يوم كتب فلسفة هذا القانون قبل أكثر من ستة عقود.
وفي ختام هذه السلسلة، أضع هذه الرؤية بما تضمنته من مقترحات وأفكار ومحاور تأسيسية لقانون جديد للأزهر الشريف، أمام فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أعلن مرارًا إدراكه العميق لقيمة الأزهر الشريف، وحرصه على دعمه واستقلاله وتعزيز مكانته الوطنية والعالمية، باعتباره أحد أهم أعمدة الدولة المصرية وقوتها الناعمة وركائز أمنها الفكري والديني.
كما أضع هذا الطرح أمام فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، صاحب المكانة العلمية والروحية الكبرى، لعل هذه الرؤية تجد فيها المؤسسة العريقة ما يمكن أن يفيد أو يفتح بابًا للنقاش أو يضيف لبنة في مشروع التطوير المؤسسي الذي يحتاجه الأزهر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة والعالم.
فما كُتب هنا ليس حكمًا على أشخاص، ولا انتقاصًا من مؤسسة، ولا ادعاءً لامتلاك الحقيقة، وإنما هو اجتهاد فكري وقانوني مخلص، ينطلق من الإيمان العميق بأن الأزهر الشريف أكبر من أن يبقى أسير نصوص قانونية وُضعت لعصر مختلف، وأن الحفاظ الحقيقي على مكانته لا يكون فقط بالدفاع عنه، بل أيضًا بتطوير أدواته، وتحديث بنيته، وتمكينه من أداء رسالته الكبرى بكفاءة تليق بتاريخه ومكانته وتأثيره العالمي.
ويبقى الأمل أن يأتي اليوم الذي نرى فيه قانونًا أزهريًا جديدًا، يعبر عن روح العصر دون أن يفقد روح التراث، ويحفظ الثوابت دون أن يعادي التطوير، ويصنع مؤسسة أكثر قوة ومرونة وعدالة وقدرة على صناعة الإنسان وحماية الوعي وبناء المستقبل.














0 تعليق