عن " المفرزة " التي لا تعرفها الجماهير

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

الثلاثاء 12/مايو/2026 - 08:26 ص 5/12/2026 8:26:13 AM

في زمن السوشيال ميديا، تتحول الأخبار أحيانًا إلى عناوين مبتورة، ويتحول الفارق بين “المهمة العسكرية المحدودة” و”التدخل العسكري الشامل” إلى مجرد سطر عابر لا يلتفت إليه أحد، ولهذا، ما إن أُعلن عن توجه مفرزة عسكرية مصرية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حتى اندفع البعض متسائلًا.. لماذا تتحرك القوات المصرية إلى الإمارات بينما لا تدخل إلى غزة ؟
الحقيقة أن هذا السؤال يبدو منطقيًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره قائم على خلط كامل بين مهمتين مختلفتين تمامًا، لا يجمع بينهما سوى الزي العسكري فقط، هناك فارق شاسع بين "مفرزة" تتحرك وفق اتفاقات تدريب وتنسيق عسكري معلنة بين دولتين عربيتين تربطهما علاقات، وبين دعوات تطالب بإدخال قوات إلى منطقة مشتعلة بالنار والدم والسياسة والتوازنات الدولية المعقدة، مثل قطاع غزة.
كلمة "مفرزة" نفسها تحتاج إلى شرح، لأن كثيرين يتعاملون معها باعتبارها جيشًا يتحرك للحرب، بينما المصطلح العسكري أدق من ذلك بكثير، المفرزة هي تشكيل عسكري محدود العدد والمهام، يتم فصله مؤقتًا من وحدة أكبر لأداء مهمة محددة مثلا..تدريب، تأمين، دعم فني، مناورات، تنسيق، أو مشاركة لوجستية، أي أنها ليست إعلان حرب، ولا تعبئة عسكرية شاملة، ولا دخولًا إلى ساحة قتال مفتوح.
الجيوش الحديثة في العالم كله ترسل مفارز عسكرية بصورة دورية إلى دول صديقة أو حليفة، يحدث ذلك في إطار التعاون الدفاعي، وتبادل الخبرات، والمناورات المشتركة، والتنسيق الأمني. والجيش المصري تحديدًا يمتلك تاريخًا طويلًا في هذا النوع من التعاون مع دول عربية وأجنبية عديدة، من بينها الإمارات والسعودية واليونان وفرنسا وغيرها.
وقد أعلنت القوات المسلحة المصرية أكثر من مرة عن تدريبات ومناورات مشتركة مع الجانب الإماراتي، سواء الجوية أو البحرية أو البرية، باعتبار ذلك جزءًا من بناء الجاهزية والتنسيق العربي.
أما الذين يقارنون بين هذه المهمة وبين دخول غزة، فهم يتجاهلون أن غزة ليست دولة مستقرة تطلب تدريبًا أو تنسيقًا عسكريًا، غزة منطقة حرب مفتوحة، تحكمها ظروف شديدة التعقيد، بداية من الاحتلال الإسرائيلي، مرورًا بالحصار، وانتهاءً بحسابات الإقليم والقانون الدولي واحتمالات الانفجار الشامل.
دخول قوات مصرية إلى غزة ليس قرارًا عاطفيًا يمكن اتخاذه عبر منشور على فيسبوك أو هاشتاج غاضب.
هذا القرار - إن حدث - يعني عمليًا دخول الجيش المصري إلى قلب اشتباك مباشر مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، بكل ما يحمله ذلك من احتمالات التصعيد الإقليمي وربما الحرب الواسعة.
البعض يتصور الأمر وكأن الجيش يمكنه عبور الحدود ثم العودة ببساطة، بينما الحقيقة أن أي وجود عسكري رسمي داخل غزة يخلق وضعًا قانونيًا وسياسيًا وعسكريًا بالغ الخطورة، ومن هنا يصبح ضبط النفس أحيانًا جزءًا من القوة، وليس علامة ضعف.
مصر، في الواقع، لم تكن بعيدة يومًا عن غزة، لكن حضورها كان مختلفًا سياسيًا، إنسانيًا، إغاثيًا، ودبلوماسيًا، المستشفيات المصرية استقبلت الجرحى، والمساعدات تدفقت عبر معبر رفح، والتحركات السياسية المصرية كانت حاضرة في كل جولات التفاوض ومحاولات وقف إطلاق النار، وهذا دور مختلف تمامًا عن إرسال قوات عسكرية إلى منطقة حرب.
المشكلة الحقيقية أن جزءًا من الرأي العام بات يتعامل مع الجيوش بعاطفة السينما، لا بمنطق الدول، يريد الناس مشهدًا بطوليًا سريعًا، بينما الجيوش المحترفة تتحرك بالحسابات الدقيقة لا بالانفعالات.
القرار العسكري لا يُبنى على الرغبة، بل على تقدير شامل للميدان والسياسة والاقتصاد والقانون الدولي والتوازنات الإقليمية، ثم إن الذين يطالبون بالدخول العسكري إلى غزة يتناسون أن مصر نفسها تواجه تحديات أمنية واستراتيجية هائلة، وأن الحفاظ على قوة الدولة واستقرارها جزء أساسي من أي معادلة دعم حقيقية للقضية الفلسطينية.
فالدولة المنهكة لا تستطيع مساعدة أحد، والجيش الذي يُستدرج إلى معارك مفتوحة بلا حساب قد يفقد قدرته على حماية حدوده وأمنه القومي.
أما مهمة المفرزة في الإمارات فهي تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا، عالم الجيوش النظامية التي تتبادل الخبرات، وتنسق دفاعيًا، وتبني شراكات عسكرية، وتحافظ على جاهزيتها القتالية من خلال التدريبات والمهمات المحدودة.
إنها مهمة محسوبة، معلنة، تجري في دولة مستقرة تربطها بمصر علاقات واتفاقات تعاون واضحة، ولا تحمل معنى الحرب أو التدخل القتالي المباشر.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات تتعمد خلط الأوراق، وكأنها تريد تحويل أي تحرك عسكري طبيعي إلى مادة للمزايدة السياسية والعاطفية.
القضية الفلسطينية أكبر من الشعارات، والجيش المصري أكبر من أن يُستخدم في معارك الكلام، إنه جيش دولة، لا جيش انفعال، يتحرك وفق عقيدة ومصالح وأمن قومي وحسابات دقيقة، لا وفق ضجيج المنصات الإلكترونية.
يسمعون كلمة “مفرزة” فيظنونها إعلان حرب، بينما هي في الحقيقة إجراء عسكري طبيعي يحدث يوميًا بين دول العالم، لهذا فإن المقارنة بين مفرزة مصرية ذهبت إلى الإمارات، وبين دعوات دخول غزة، ليست مجرد مقارنة خاطئة، بل هي مقارنة بين شيئين لا علاقة بينهما أصلًا.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق