.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تحل في التاسع من مايو، ذكرى رحيل الشيخ محمد رفعت، صاحب الصوت الذي ارتبط في وجدان المصريين والعالم الإسلامي بخشوع التلاوة وروحانيتها، حتى استحق لقب "قيثارة السماء". وبينما يعرفه الجمهور بوصفه أول صوت افتتح الإذاعة المصرية عام 1934، فإن في سيرته جوانب أخرى أقل تداولًا، تكشف عن شخصية استثنائية جمعت بين العبقرية القرآنية والانفتاح الثقافي الواسع.
الشيخ محمد رفعت.. من دروب المغربلين إلى عرش التلاوة
وُلد الشيخ محمد رفعت في حي المغربلين بالقاهرة عام 1882، وفقد بصره في طفولته، لكن فقدان البصر لم يمنعه من أن يصبح واحدًا من أكثر الأصوات تأثيرًا في العالم الإسلامي. حفظ القرآن صغيرًا، وتعمق في علوم القراءات والتجويد، حتى صار نموذجًا متفردًا في الأداء، يعتمد على الإحساس العميق بالمعنى، إلى جانب تمكن استثنائي من المقامات الصوتية.
وقد جعلت عبقريته الفريدة صوته أقرب إلى مدرسة موسيقية كاملة، إذ كان فنانًا يدرك كيف يوظف النغمة لخدمة المعنى القرآني، فيبكي المستمع حينًا، ويهز وجدانه حينًا آخر.
شغف خفي بالموسيقى العالمية
ولعل من الجوانب اللافتة في شخصية الشيخ محمد رفعت، والتي لا يعرفها كثيرون، شغفه العميق بالموسيقى العالمية، إذ يذكر الباحث عبدالفتاح غبن أنه كان صديقًا روحيًا للموسيقار الألماني لودفيج فان بيتهوفن، وكان يستمع إلى سيمفونياته خلسة في الليل، خشية أن يُساء فهم هذا الولع الفني أو يُتهم بالتفرنج، في زمن كانت فيه بعض النظرات المتشددة ترى الموسيقى الغربية بعين الريبة.
ولم يتوقف اهتمامه عند بيتهوفن فقط، بل امتد إلى أعمال فولفغانغ أماديوس موزارت ويوهان سباستيان باخ، فقد أدرك الشيخ أسرار البناء الموسيقي والنغم العالمي، واستفاد من هذا الوعي في تشكيل أسلوبه التلاوتي المعجز، الذي جمع بين روحانية القرآن ودقة الحس الموسيقي.
مكتبة موسيقية تكشف جانبًا مجهولًا
عندما توفي الشيخ محمد رفعت عام 1950، كشفت تركته عن مكتبة موسيقية كاملة تضم أعمالًا وسيمفونيات عالمية، وعلى رأسها مؤلفات بيتهوفن، في دلالة واضحة على عمق ارتباطه بهذا التراث الإنساني الرفيع.
هذا الجانب المجهول من حياته يؤكد أن عبقريته لم تكن نتاج الموهبة الصوتية وحدها، بل ثمرة ثقافة موسيقية واسعة، جعلته أكثر قدرة على تطويع صوته في خدمة النص القرآني بصورة لم يسبقه إليها أحد.
تأثير صوت الشيخ رفعت.. اهتمام عالمي
بلغ تأثير صوت الشيخ رفعت حد أن إذاعات عالمية كبرى، مثل بي بي سي وإذاعات أوروبية أخرى، سعت إلى تسجيل تلاواته، وقد تعامل الشيخ مع هذه العروض بحذر شديد، خوفًا من توظيف القرآن في غير موضعه الشرعي، قبل أن يستفتي علماء الأزهر ويوافق لاحقًا على تسجيل سورة مريم.
شخصية استثنائية جمعت الروحانية والثقافة
لم يكن الشيخ محمد رفعت مجرد قارئ قرآن، بل كان مثقفًا واسع الأفق، وصوفيًا متسامحًا، ومحبًا للفن الرفيع، وصاحب مجلس ثقافي جمع كبار الأدباء والفنانين من مختلف الخلفيات. وفي ذكرى رحيله، يبقى الشيخ محمد رفعت نموذجًا نادرًا لرجل جمع بين قدسية الرسالة، وروعة الفن، وعمق الثقافة، ليظل صوته حتى اليوم واحدًا من أكثر الأصوات خلودًا في التاريخ العربي والإسلامي.












0 تعليق