.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
ثمة أشخاص يعبرون في حياتنا كالنسمة، لكنهم يتركون في الروح أثرًا لا يمحوه الزمن، كان سيد العديسي واحدًا من هؤلاء الذين لم يكتفوا بعبور الطريق، بل شيدوا فيه جسورًا من المحبة والوفاء.. أيام مرّت بعد أن ودعناه إلى دار البقاء، لا نجد في جعبتنا إلا ذكرياتٍ رتبها القدر بدقة، لتبدأ من مجرد "اسم" وتنتهي بـ "أخٍ" لم تلدْه أمي.

البداية موعدٌ لم يكتمل في 2018
بدأت "حكاية المحبة" في 2018، عندما كنت شابًا مفعمًا بالحماس، أحلم بإجراء حوار صحفي مع "الكينج" محمد منير ليكون مسك الختام لمشروع تخرجي وأنا في كلية الإعلام، حلم كان مشروعًا ولكنه كان صعب المنال، لأجد أن الطرق جميعها تؤدي إلى اسم واحد "سيد العديسي".
كانت التساؤلات حاضرة، تساؤلات ربما تحولت مع مرور الوقت لدهشة، تطورت إلى رغبة في معرفة من هو سيد العديسي؟، لتكون الإجابة بأنه شقيق الصديق العزيز إيهاب، الذي أتذكر جيدًا تحذيره لي حينها: "اذهب لعمك سيد، لكن إياك والهزار الغشيم.. هذا كبيرنا الذي علمنا وقدوتنا".
ذهبتُ إليه مهيبًا، فإذا بي أمام رجلٍ فيضٌ من الكرم، لم يبخل بجهد، ووعدني بالوصول لمنير، لكن الأقدار أرادت لقطار اللقاء أن يتأخر، فسافر منير للعلاج، وانشغلت أنا بإنهاء دراستي، وظننتُ أن القصة انتهت عند هذا الحد.

الأيام دائمًا لها رأيٌ آخر
دارت الدوائر لتجمعني بـ سيد العديسي مرة تلو الأخرى، تقابلنا في طرقات معرض الكتاب، وجلسنا على أرصفة المقاهي، وتشاركنا هواء المكاتب في جريدة الدستور.. بمرور السنوات، اكتشفتُ أن "العديسي" هو الثابت الوحيد في عالم متغير؛ الوجه هو الوجه، والضحكة هي الضحكة التي لا تغادر محياه أبدًا.
لم يعد مجرد شقيق صديق أو واسطة خير، بل صار الأخ الأكبر الذي أهرب إليه من عناء الحياة، الذي أهرول إليه مع أي مشكلة، حتى أنني كنت أول المتحدثين معه شاكيًا أخيه "إيهاب" في في بعض الأوقات، وكان خير معين وسامع أمين، وأحيانًا أخرى لأفرغ ما في جعبتي من هموم الدنيا، فكان دائمًا هو الملاذ، والناصح الصدوق، وصاحب القلب الذي يتسع للجميع.

زيارة متأخرة
مع وفاته، زرتُ نجع العديسات، لا كضيفٍ خفيف يمرُّ على أصدقائه وأبناء عمومته، بل بقلبٍ أثقله الفقدُ وحجبت الرؤيةَ فيه الدموع، كنت أراك يا "صديقي" في عيون الجميع.. سيد العديسي، القلب النقي الطيب الذي لم يعرف سوى الصفاء.
وعدتك كثيرًا أن أزورك ونلتقي ونتجول في قريتك سويًا، ولم أكن أعلم أن زيارتي ستكون فقدًا وحزنًا وألمًا، زرتك يا صديقي كما وعدتك، ويا ليتها بقيت وعدًا قادمًا لا محققًا وأنت محمولًا على الأكتاف والجميع يقولون "كان راجل طيب، عاش ومات في سلام ومحبة".

رحيل هادئ أليم
رحلتَ يا سيد، ولكن سيرتك لم ترحل.. لا أدري أيكون لقاؤنا قريبًا أم بعيدًا؟ لكن كل ما أعلمه أنك تستحق الأفضل دائمًا، واليوم يفوز نقاء قلبك بحسن الختام وطيب الذكر، رأيت الحزن يكسو الوجوه، ورأيت "إيهاب" الذي أعلم تمامًا حجم انكساره الداخلي؛ يقف منحني الظهر، والأسى يرتسم على ملامحه، يتلقى عزاءك وكأنه لم يستوعب بعد حقيقة غيابك.
لماذا لم تقاوم هذه المرة كعادتك؟ لماذا لم تهاتفنا؟ لو فعلت لكنا طوع أمرك وفي رحابك خلال لحظات.. لا أعلم كيف ستمضي الأيام، وكيف سيمر الأسبوع دون تلك المكالمة المعتادة التي كانت تملأ كوني صخبًا وحياة، حين كنت أقول لك مداعبًا: "إيهاب مزعلني يا أبو عمو"، لتعلو ضحكتك المجلجلة وتردّ بصوتك الدافئ: "يا واد ده ابن عمك.. إحنا كبار، متزعلش نفسك".

الموت يختار الأنقياء
يقولون إن الموت "لا يمرر أحدًا"، لكن الحقيقة المرة هي أن الموت يبدو وكأنه يختار بعناية؛ يختار الأطهر، والأنقى، والأكثر طيبة.. رحل سيد، وترك خلفه فراغًا لا يملؤه صخب المعارض ولا أحاديث المقاهي، رحلت يا صديقي، وستظل في ذاكرتنا ذلك الرجل علمنا الأمل والضحك والسعادة.
عزاؤنا الوحيد أنك الآن في رحاب ربٍ كريم، في دارٍ لا شقاء فيها ولا فناء، نم قرير العين، فدعواتنا لك لن تنقطع، وذكراك ستبقى حيةً ما حيينا.


















0 تعليق