الريّس محمد الخليلى صانع شِباك الصيد: «زباينى من كل مصر»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى أحد أركان مدينة قفط بمحافظة قنا، يجلس محمد إبراهيم الخليلى، صاحب الـ٤٦ عامًا، ممسكًا بالخيط بيد، وبخبرة السنين باليد الأخرى، ينسج رزقه بصبر طويل، ويحوّل الخيوط البسيطة إلى شباك صيد، يعتمد عليها الصيادون فى رحلاتهم بحثًا عن لقمة العيش.

منذ ٣٠ عامًا، لم يعرف الرجل غير هذه المهنة التى ورثها عن والده وجده، وداخل بيته كانت الحكاية تبدأ من الخيط وتنتهى بشبكة جاهزة للبحر أو النيل.

كان عمره ١٦ عامًا فقط حين خرج ليساعد أسرته، بعدما أدرك مبكرًا أن الحياة لا تنتظر أحدًا، وأن الرجال الحقيقيين تصنعهم المسئولية قبل السنوات.

يقول «محمد» إن المهنة لم تكن سهلة فى بدايتها، لكنها كانت طريقه الوحيد. جلس بجوار والده يتعلم أسرار الصنعة، كيف تُعقد العقدة، وكيف تُقاس الفتحات، وكيف تتحول الخيوط إلى شبكة متينة تتحمل الماء والشد والحركة. ومع مرور الوقت، أصبحت يداه تحفظان تفاصيل المهنة أكثر من أى كتاب.

يبدأ يومه مبكرًا، ويواصل ساعات طويلة فى العمل، بين صناعة شباك الصيد، وما يُعرف بين أهل المهنة باسم «الضرب»، وهى مرحلة تحتاج إلى دقة وجهد كبيرين، حتى تخرج الشبكة بالشكل المطلوب.

بين كل خطوة وأخرى، يظهر أثر التعب على جسده، لكنه يقول بابتسامة معتادة إن التعب صار صديقًا قديمًا، وإن من اعتاد الكفاح لا يخشاه.

لم تتوقف شهرة «الخليلى» عند حدود قنا، بل أصبحت شباكه تصل إلى صيادين فى مختلف محافظات الجمهورية، بعدما عرفوا جودة ما يصنعه، وقوة «الشبك» الذى يخرج من بين يديه، فمن النيل إلى البحيرات، ومن الجنوب إلى الشمال، تسافر منتجات الرجل البسيط شاهدة على أن الحرفة الجيدة تفرض نفسها مهما تغير الزمن.

ورغم التطور الصناعى وظهور المنتجات الجاهزة، لا يزال كثيرون يفضلون الشباك التى تصنع يدويًا، لأنها أكثر متانة، ولأن من يصنعها يعرف احتياجات الصياد الحقيقية، وهذا ما جعله يتمسك بمهنته ويرفض تركها، مؤمنًا بأن الحرفة التى تصنع كرامة صاحبها لا يمكن التفريط فيها.

داخل ورشته الصغيرة، لا يسمع المار سوى صوت الخيوط وهى تتحرك، وصوت رجل يحارب الحياة بالصبر، ٣٠ عامًا مرت، وما زال يجلس فى مكانه نفسه تقريبًا، لكن بخبرة أكبر وتجاعيد أكثر وإصرار لا ينكسر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق