اعتبر الدكتور راز زيمت، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل، أن حالة التهدئة الراهنة بين واشنطن وطهران لا تعدو كونها "تأجيلاً" لصراع حتمي؛ مؤكداً أن انسداد أفق المفاوضات وتمسك كل طرف بأوراق ضغطه الاستراتيجية يجعل من منع الحرب القادمة أمراً بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة.
وذكر زيمت، في تحليل مطول نشره موقع 'يديعوت أحرنوت'، أنه بات من الصعب إيجاد مخرج حقيقي لهذا المأزق التفاوضي بين واشنطن وطهران، في ظل قناعة راسخة لدى كل جانب بقدرته على الصمود والمراهنة على عامل الوقت بشكل أفضل من خصمه؛ وهو ما جعل خطوات التصعيد الميداني جاهزة للتنفيذ في أي لحظة، خاصة مع إصرار القيادة الإيرانية على رفض تقديم أي تنازلات جوهرية أو التوصل إلى اتفاقات ملموسة بشأن ملفها النووي.
ويأتي هذا الانسداد في الاتصالات بين البلدين بعد مرور نحو تسعة أسابيع على اندلاع حرب 'زئير الأسد '، ونحو ثلاثة أسابيع من إعلان وقف إطلاق النار الذي أعقبه فشل المفاوضات بين نائب الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني في باكستان؛ مما جعل من الصعب تصور مخرج قريب للأزمة.
تعنت الطرفين
وفي هذه المرحلة الحرجة، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد للتخلي عن ورقة ضغطه الرئيسية؛ حيث تتمسك طهران بالسيطرة على مضيق هرمز في مواجهة الحصار البحري الأمريكي، سعيًا منها ليس فقط للتأثير على سوق الطاقة العالمي، بل لتحويل سيطرتها الميدانية إلى أصل سياسي واقتصادي استراتيجي.
وفي سياق متصل، عكس عضو البرلمان الإيراني، محمد تقي نقد علي، هذا التوجه الرسمي بتصريحات أكد فيها أن مضيق هرمز يمثل ركيزة أساسية في قوة المساومة الإيرانية، مشدداً على أن أهمية هذا الممر المائي تفوق في تقديرهم أهمية القنبلة النووية ذاتها."
أما من وجهة نظر واشنطن، فإن الحصار البحري يمنحها القدرة على مواصلة ممارسة ضغوط قصوى على طهران دون الحاجة للعودة إلى خيارات التحرك العسكري، والتي باتت فعاليتها محل شك بعد أسابيع من القتال في عملية 'زئير الأسد'. وفي ظل هذا المشهد، لا يزال كلا البلدين يراهنان على أن قدرتهما على التحمل تتجاوز صمود الطرف الآخر؛ حيث صرح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأسبوع الماضي بأن احتياطيات النفط الإيرانية 'ستنفجر قريباً'، غير أن تقييمات الخبراء تشير إلى استبعاد وصول سعة تخزين النفط الإيرانية في الأمد القريب إلى مستويات تهدد المنشآت، وحتى في حال حدوث ذلك، فمن المشكوك فيه ما إذا كان الضرر الناتج سيكون غير قابل للإصلاح.
وفي المقابل، تجد إيران في الارتفاع الراهن لأسعار الطاقة والتقارير التي تتحدث عن صعوبات عالمية في مواجهة نقص النفط والوقود والسلع الاستراتيجية—كالأسمدة والألومنيوم والهيليوم—دافعاً للاستمرار في موقفها؛ في وقت يرى فيه كلا الجانبين أن مسارات التصعيد لا تزال مفتوحة، حيث هدد ترامب بالعودة إلى مربع القتال واستهداف البنى التحتية ومحطات الطاقة، بينما تلوح طهران بإغلاق مضيق باب المندب عبر حلفائها الحوثيين واستهداف مواقع استراتيجية في دول الخليج.
ومع ذلك، فإنه حتى في حال العودة إلى طاولة المفاوضات، يظل التوصل إلى حل للملف النووي أمراً مشكوكاً فيه؛ إذ ترفض طهران مناقشة هذا الملف في الوقت الراهن، مقترحةً إعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحرب وتخفيف الحصار البحري، مع ترحيل القضية النووية إلى مراحل لاحقة.
وهو المقترح الذي قوبل برفض قاطع من ترامب، الذي يصر على أن يكون حسم الملف النووي شرطاً أساسياً لوقف الحرب، بما يضمن الوصول إلى نسبة تخصيب صفرية وإخراج كامل اليورانيوم عالي التخصيب من الأراضي الإيرانية.
موقف رافض موحد
في غضون ذلك، بدأت القيادة الجديدة في طهران في الاستقرار، على الرغم من التقارير المتضاربة حول صحة الزعيم مجتبى خامنئي، حيث تزايدت التقارير مؤخراً حول وجود خلافات في قمة الهرم القيادي الإيراني بين الدوائر الأكثر راديكالية، بما في ذلك قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، والدوائر الأكثر براجماتية مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان.
وقد ميزت الخلافات أيضاً النظام السياسي الإيراني في عهد خامنئي الأب، غير أنه يمكن افتراض أن قدرة مجتبى خامنئي المحدودة على ممارسة سلطة الحكم تجعل اتخاذ القرار الفعال أكثر صعوبة، وحتى لو ظهرت خلافات حول سياسة التفاوض، فإن كبار المسؤولين الإيرانيين يقدمون موقفاً رافضاً موحداً في تصريحاتهم العلنية على الرغم من استمرار تدهور الوضع الاقتصادي.
وقد وصلت العملة الإيرانية هذا الأسبوع إلى أدنى مستوى تاريخي لها بأكثر من 1.8 مليون ريال مقابل الدولار، وتدرس الحكومة توسيع المساعدات، بما في ذلك قسائم الطعام الإلكترونية وحزم المساعدات للشركات المتضررة من قيود الإنترنت المستمرة، ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن دليل على رغبة القيادة في طهران في تخفيف مواقفها، رغم أنه من الواضح أن الأزمة الاقتصادية قد تؤدي في مرحلة ما إلى تجدد الاحتجاجات.
وعلاوة على ذلك، فإنه حتى لو استؤنفت الاحتجاجات، فمن المشكوك فيه ما إذا كانت قوات الأمن قد فقدت قدرتها وتصميمها على قمع المتظاهرين بوحشية، كما فعلت في ذروة احتجاجات يناير 2026. إن إيران تقترب من لحظة القرار، عندما يتعين على قيادتها، كما حدث في عام 1988، أن تختار ما إذا كانت "ستتجرع السم" وتوافق على تسويات بعيدة المدى.
في ذلك الوقت، قرر الخميني الموافقة على وقف إطلاق النار مع العراق بعد ثماني سنوات من الحرب بتأثير من السياسيين الذين حذروا من أن الاقتصاد على وشك الانهيار، رغم معارضة الحرس الثوري، واليوم، حيث يلعب العديد ممن خدموا كقادة في الحرس الثوري في أواخر الثمانينيات دوراً مركزياً في القيادة، فمن المشكوك فيه ما إذا كان قاليباف وبزشكيان قويين بما يكفي لممارسة ضغوط مماثلة، وليس من الواضح ما إذا كان الزعيم الحالي قادراً على اتخاذ مثل هذا القرار.
وفي الوقت نفسه، تواصل إيران امتلاك قدرات نووية كبيرة، وقد يعزز رفضها مناقشة الملف النووي التقييم بأن قيادتها الحالية ترى في الحفاظ على هذه القدرات وسيلة حيوية للحصول على أسلحة نووية، إذ يبدو أن الحرب عززت المنطق الاستراتيجي لمثل هذه الخطوة، سواء كضمان لبقاء النظام أو كقوة ردع ضد الهجمات المستقبلية، ولذلك، إذا لم يتم العثور على حل يؤدي إلى إزالة المكونات النووية الحرجة من البلاد أو تدميرها، فإن النظام، الذي لم يعد ملتزماً بمفهوم دولة العتبة النووية، قد يحاول الانطلاق نحو السلاح النووي رغم المخاطر التي تنطوي عليها هذه الخطوة.
وقد شدد المحلل الإيراني مصطفى نجفي، الذي يعتبر مقرباً من دوائر النظام، في هذا السياق على أن الردع النووي الحقيقي يتطلب امتلاك مثل هذه الأسلحة بالفعل، وفي الوقت نفسه، جددت إيران جهودها لإعادة بناء منظومتها الصاروخية، وتشير تقييمات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى أنه بدون اتفاق، يمكن لإيران أن تحشد مرة أخرى آلاف الصواريخ في غضون سنوات قليلة.
ويعتقد البعض في إسرائيل أن الوضع الراهن هو الحل المفضل، حيث إن الضغط الاقتصادي قد يؤدي إلى تليين مواقف إيران، في حين أن أي اتفاق سيتضمن تخفيف العقوبات مما سيمنحها طوق نجاة، لكن هذا التقييم يتجاهل عاملين رئيسيين: أولاً، هناك شكوك جدية فيما إذا كان الوضع الحالي يمكن أن يستمر لفترة طويلة، بالنظر إلى خطر التصعيد والتكلفة الاقتصادية المتزايدة على جميع الأطراف، وثانياً، فإن الوضع الحالي يعني استمرار إيران في الحفاظ على قدراتها النووية وإعادة بناء منظومتها الصاروخية، مما يزيد من خطر الانطلاق نحو السلاح النووي وتجدد القتال في ظل ظروف أكثر صعوبة في المستقبل.


















0 تعليق