اعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" أن المواجهة الأمريكية الإيرانية وصلت إلى طريق مسدود وسط اختبار قاسٍ للإرادات فوق أمواج مضيق هرمز، مشيرة إلى أن إصرار الرئيس دونالد ترامب على سياسة "كل شيء أو لا شيء" لانتزاع تنازلات نووية شاملة، قابله اعتماد إيراني على تكتيكات "الأسلحة الرخيصة" كالمسيرات والألغام؛ مما تسبب في قفزة تاريخية لأسعار النفط بلغت 126 دولاراً للبرميل.
وتتجلى خطورة هذا الاستنزاف في قناعة الطرفين بأن عامل الوقت يصب في مصلحتهما؛ حيث يعتقد كلا الجانبين أن الوقت لصالحهما في ظل بقاء مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة الملاحة، مما أدى إلى احتجاز النفط والأسمدة والمنتجات البترولية داخل الخليج العربي، ودفع أسعار الطاقة للارتفاع على مستوى العالم.
تـحـدي كـسـر الإرادات
وقفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في زمن الحرب لتبلغ 126 دولاراً، بعدما صرح ترامب، يوم الأربعاء، بأنه مستعد لمواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية حتى "يستسلم" قادة طهران، مؤكداً أنه غير مستعد لعقد أي صفقة لا تقيد البرنامج النووي الإيراني.
وفي غضون ذلك، اكتشفت القيادة الإيرانية سلاحاً جديداً قوياً لم تختبره قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك في 28 فبراير؛ والذي يتمثل في قدرتها على إيقاف حركة الملاحة تماماً باستخدام أدوات منخفضة التكلفة كالألغام والطائرات المسيرة، وهي أسلحة تفرض خطراً عالي التكلفة على السفن التي تجرؤ على عبور المضيق دون إذن.
وعرضت طهران التفاوض بشأن فتح الممر الملاحي أولاً مع تأجيل المحادثات النووية، غير أن ترامب صرح بأنه استبعد هذه الفكرة تماماً.
ووصف ترامب الحصار الأمريكي بأنه "عبقري" في تصريحات للصحفيين في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء، مقللاً في الوقت ذاته من احتمالية الاستئناف المبكر للمفاوضات المباشرة وجهاً لوجه.
وأوضح قائلاً: "لم نعد نقم برحلات طيران تستغرق 18 ساعة في كل مرة نريد فيها رؤية قطعة من الورق، بل نقوم بذلك هاتفياً، وهو أمر رائع للغاية"، مشيراً إلى أنه عندما يسافر المفاوضون، "فإنك تعلم أنهم سيعطونك ورقة لا تعجبك حتى قبل أن تغادر؛ إنه أمر سخيف. لقد قطعوا شوطاً طويلاً، لكن السؤال يكمن في ما إذا كانوا سيذهبون إلى أبعد من ذلك أم لا، لذا في هذه اللحظة، لن يكون هناك اتفاق أبداً ما لم يوافقوا على عدم امتلاك سلاح نووي".
ويترك ذلك المحادثات معلقة، في ظل الارتفاع الصاروخي لأسعار الطاقة؛ حيث قفز خام برنت، وهو المعيار العالمي، إلى 126 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى له منذ بدء الحرب، قبل أن يتراجع إلى حوالي 121 دولاراً في وقت مبكر من يوم الخميس. وبلغ متوسط سعر البنزين في أمريكا 4.30 دولار، وفقاً لجمعية السيارات الأمريكية، بزيادة قدرها 31 سنتاً عن الشهر الماضي.
تـعـثـر الـمـسـار الـدبـلـومـاسـي
وعلى الصعيد العالمي، توجد معارضة دولية قوية لإغلاق إيران للمضيق وإصرارها على حقها في تنظيم حركة المرور وفرض رسوم عبور. ولكن على الرغم من أن العديد من الدول، وخاصة في آسيا، تعاني من أضرار اقتصادية، لم يعرض أي منها مساعدة الجيش الأمريكي في الضغط على إيران.
وبعد جولة أولى من المحادثات قادها نائب الرئيس جيه دي فانس في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، في أوائل أبريل، وانتهت دون التوصل إلى اتفاق، تدفع إيران الآن نحو اتفاق أضيق يركز على إنهاء الحرب وفتح المضيق، دون التطرق إلى برنامج البلاد النووي.
وفي هذا السياق، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، في بيان لها، بأن المفاوضين الأمريكيين يواصلون العمل نحو التوصل إلى اتفاق يضمن عدم تمكن إيران من امتلاك سلاح نووي على الإطلاق، مؤكدة أن الولايات المتحدة تحتفظ بأقصى قدر من النفوذ على النظام الإيراني بفضل الحصار الناجح للموانئ الإيرانية والآثار المدمرة لـ "عملية الغضب الاقتصادي"، مما يسمح باستمرار إحراز التقدم.
وفي حين تظل تفاصيل العرض الإيراني غير معروفة، غير أن نائب وزير الدفاع الإيراني، العميد رضا طلائي نيك، بدا وكأنه يقدم الخطوط العريضة له، وذلك خلال اجتماع عُقد يوم الثلاثاء لوزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون، وهي التحالف الأوراسي الذي أسسته الصين وروسيا.
وأوضح طلائي نيك، وفقاً لما نقلته تقارير إعلامية إيرانية، أن طهران تدرك المخاوف الدولية بشأن القيود الحالية المفروضة على المرور عبر المضيق، والتي وصفها بأنها مجرد إجراء مؤقت للرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. وأضاف قائلاً إن السماح بالعبور السلس للسفن التجارية سيكون على جدول الأعمال عقب انتهاء الحرب.
اقـتـصـاد مـحـاصر يـتـكـيـف
وعلى صعيد متصل، كشف مسؤول إيراني بارز أن أعضاء المؤسسة الأمنية الإيرانية يعتقدون أنهم خرجوا منتصرين من الحرب، وبالتالي فهم لا يدعمون تقديم تنازلات في القضايا الرئيسية مثل حق البلاد في تخصيب اليورانيوم. ورغم أن قادة إيران طالما أكدوا عدم رغبتهم في امتلاك سلاح نووي، إلا أنهم يصرون على حق بلادهم في امتلاك برنامج نووي مدني، بما في ذلك الحق في تخصيب الوقود النووي، وهو مسار قد يمهد الطريق لامتلاك برنامج لإنتاج الأسلحة.
وبحسب المسؤول ذاته، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتصريح لوسائل الإعلام، فإن المفاوضين كانوا يمتلكون مساحة أكبر للمناورة بشأن القضايا الرئيسية -بما فيها التخصيب- خلال الجولة الأولى من المحادثات مع الولايات المتحدة.
ولكن بعد فشل تلك المحادثات في تأمين اتفاق، ومنذ فرض الحصار الأمريكي، خضع المسؤولون الإيرانيون لضغوط من المتشددين العسكريين والسياسيين في البلاد لخفض أولوية المفاوضات مع واشنطن.
وأكد المسؤول أن القوات العسكرية لا تريد أن تفقد إنجازاتها، مشدداً على أن ما كان يمكن للولايات المتحدة أن تكتسبه في تلك المحادثات، لن تتمكن من الحصول عليه مرة أخرى.
وفي حين رفض المسؤول الخوض في تفاصيل مقترح التفاوض الإيراني الحالي، غير أنه أوضح أن رئيس البرلمان، محمد باقر جاليباف، بصفته كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات مع فانس، كان قد وصل إلى إسلام آباد لإجراء الجولة الأولى من المحادثات "بصلاحيات كاملة" لتقديم عرض بوقف تخصيب اليورانيوم لمدة لا تتجاوز 5 سنوات كخطوة "لبناء الثقة". واستدرك قائلاً إنه سيكون من "الصعب للغاية" على جاليباف تقديم مثل هذا العرض مجدداً.
كما أقر المسؤول بأن الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية يضغط بشدة على اقتصاد بلاده، لكنه شدد على أن إيران ستجد طريقة للتكيف بعد عقود من النجاة من العقوبات القاسية. وأضاف: "لا يمكننا القول إن ذلك ليس له تأثير، ولكنه لن يجعلنا نستسلم؛ فنحن نحمل درجات الدكتوراه في التهرب من العقوبات، وسنجد طريقاً".
وتؤدي هذه التطورات إلى طريق مسدود ومؤلم. وفي هذا الصدد، قال بريان كاتوليس، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط والمتخصص في السياسة الخارجية بالمنطقة: "لدينا ببساطة كلا الجانبين في اختبار إرادات ومواجهة تحاول فرض أكبر قدر ممكن من التكلفة الاقتصادية على الجانب الآخر". وأشار إلى أن التحدي هنا يكمن في أن إيران طورت نوعاً من المقاومة الصلبة ضد هذا النوع من الضغط الخارجي، في حين لم تفعل بقية دول العالم ذلك، وخاصة أمريكا.
ومما يزيد الوضع تعقيداً، بحسب كاتوليس، أن أسابيع من الهجمات قد ألحقت أضراراً بالقيادة في طهران، غير أن ذلك لم يحدث بالضرورة بطريقة تسهل إبرام الصفقات. وأوضح قائلاً إن "الواقع يشير إلى أن ما تبقى من النظام بات على الأرجح أكثر تشدداً وتطرفاً، فضلاً عن كونه أكثر انقساماً وعجزاً عن التوصل إلى إجماع"، مضيفاً أن "إيران قدمت نوعاً من المسار لمواصلة الحوار، في حين يقول ترامب: لا، إما كل شيء أو لا شيء".
مـأزق الـتـفـاوض الـنـووي
وعلى الصعيد الداخلي، يعاني الإيرانيون العاديون بشدة؛ حيث صرح المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأربعاء، بأنه تم إعدام ما لا يقل عن 21 إيرانياً واعتقال أكثر من 4000 آخرين بتهم تتعلق بالأمن القومي في إيران منذ 28 فبراير.
وفي غضون ذلك، تحدثت الحكومتان مراراً وتكراراً بأهداف متعارضة، مع طرح مطالب متطرفة تركت أي أمل في نجاح المفاوضات أمام طريق مسدود على ما يبدو.
وعقب جولة المفاوضات الأخيرة، رفض ترامب العرض الذي قدمه فانس للإيرانيين بفرض تعليق على التخصيب لمدة 20 عاماً. وبعد أيام، زعم الرئيس الأمريكي أن إيران وافقت -في اتصالات غير رسمية وغير مباشرة- على التخلي عن التخصيب والعمل "معاً" مع أمريكا لاستخراج وتسليم واشنطن حوالي 440 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يقترب من مستوى صنع الأسلحة، والمدفون في منشآت تحت الأرض قصفتها أمريكا وإسرائيل في يونيو الماضي. غير أن إيران نفت بشكل قاطع موافقتها على أي من الإجراءين.
وعلى الصعيد السياسي، نفى ترامب التكهنات -التي أثارها الديمقراطيون في الغالب- بأنه حريص جداً الآن على إنهاء المواجهة لدرجة قبوله بشيء مماثل لاتفاق إدارة أوباما مع طهران عام 2015، والذي سمح بتخصيب محدود للغاية ومنخفض المستوى. وكان ترامب قد وصف اتفاق أوباما بأنه "أسوأ" صفقة على الإطلاق، منسحباً منها في عام 2018 خلال فترة ولايته الأولى؛ مما أدى إلى تحرك طهران نحو مستويات تخصيب أعلى من أي وقت مضى.
وفي السياق ذاته، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو جروسي، الذي تحقق مفتشوه من الامتثال لاتفاق 2015، أن إحياء تلك الصفقة لم يعد ممكناً. وقال في تصريحات للصحفيين يوم الأربعاء في مقر الأمم المتحدة: "لا أعتقد أن أي شخص يرى ذلك كنقطة انطلاق". وأضاف جروسي أن الاتفاق "كان له منطقه الخاص قبل 11 عاماً، أما الآن.. وبصرف النظر عن حقيقة أن الولايات المتحدة قد رفضته، فإن هناك أسباباً فنية تحول دون ذلك"، موضحاً أن الاتفاق السابق "كان مبنياً على برنامج نووي أصغر بكثير، بنوع واحد فقط من أجهزة الطرد المركزي وقدرة أقل بكثير، في حين حققت إيران خلال السنوات القليلة الماضية تقدماً هائلاً في برامجها.. لذا فإن الأمر بات مختلفاً تماماً".
تـحـدي الـصـمـود الـمـيـدانـي
وفي المقابل، رفضت منشورات الحكومة الإيرانية المتحدية على وسائل التواصل الاجتماعي المزاعم الأمريكية بأن البلاد تقترب من الانهيار. فقد أعلنت وزارة الزراعة، يوم الأربعاء، أن مخزون البلاد من السلع والمواد الغذائية "أعلى مما كان عليه قبل الحرب"، بالتزامن مع إشارة هيئة البث الحكومية إلى أن "متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة يبلغ حالياً 4.17 دولار"، وهو أقل بقليل من متوسط 4.23 دولار الذي أبلغت عنه جمعية السيارات الأمريكية.
وفي رسالة صوتية بُثت على مستوى البلاد يوم الأربعاء، ادعى جاليباف وجود "وحدة تامة" بين المسؤولين المدنيين والعسكريين الإيرانيين، مؤكداً أن محاولات ترامب "لتسليح الضغط الاقتصادي وزرع الانقسام الداخلي" صُممت "لإضعاف الأمة من الداخل أو حتى التسبب في انهيارها". وأضاف جاليباف أن "كل مؤامرة من هذه المؤامرات كان من الممكن أن تركع أمة، لكن الشعب الإيراني، بفضل الله، تمكن من التغلب عليها واحدة تلو الأخرى".
وعلى الصعيد العسكري، وحال استئناف القتال، تمتلك إيران "أوراقاً جديدة" للعب بها ضد الولايات المتحدة، "بما في ذلك في مجال الاستهداف الذكي"، بحسب ما ذكره محمد أكبر زاده، النائب السياسي للبحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي. وفي السياق ذاته، حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا، قائلاً: "نحن لا نعتبر أن الحرب قد انتهت.. لقد قمنا بتحديث بنك أهدافنا".















0 تعليق