الخميس 30/أبريل/2026 - 11:37 ص 4/30/2026 11:37:47 AM
أود أن أُذكّر بنوعية من البشر يؤكدون بأفعالهم وأخلاقهم أننا ما نزال نحيا في مجتمعي إنساني رغم ما يعتريه من حوادث وأفعال تكاد تجعلك تتشكك في هذه المُسلّمة. ربما يكون ما خلق لدينا هذا الإحساس هو تلك الأحداث التي نراها ونصادفها كل يوم ويعكسها ذلك الارتفاع الملحوظ في نسبة العنف وارتفاع معدل الجريمة بين الناس لأبسط الأسباب وأتفه المبررات. أضف إلى هذا ما نعيشه من إيقاع سريع للأحداث، وذلك الشره الذي اعترى البشر نحو كل ما ليس في أيديهم.
لكن، دعنا من كل تلك السلبيات التي هي بالتأكيد كانت وستظل موجودة في كل زمان، إذ أنها ملازمة لوجود البشر ومتسقة مع سلوكياتهم. غير أن الله تعالى يمن على البشرية برجال ونساء يُذكرون البشر بصفات الإنسان النقي المجبول على الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. الإنسان الذي يشعر بغيره، الإنسان الذي ينتصر للعدل حتى لو على رقبته، الإنسان الذي يجير الملهوف وينصف الضعيف ويعلي كلمة الحق ويراقب الله في تصرفاته ويتقيه في معاملاته.
أسمع بعض المتشائمين وهُم يتندرون على كلماتي ويقولون: أين هذا الإنسان الذي تتحدث عنه؟،لقد صار شيئا من الخيال في عالم تغلب عليه المادية. فأجيبهم بكل ثقة أن افتحوا أعينكم قليلا وانظروا بعين الإنصاف وساعتها سترون الخيرين بين فئتين من الناس: فقراء قنعوا بما قسمه الله لهم، ولم يحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله، وصدقوني هؤلاء كُثر جدا بقدر ما لا تتصور عقولكم. والدليل على هذا هو ذلك السلم المجتمعي الذي نحياه رغم وجود نسبة بطالة وما يترتب عليها من أوضاع اقتصادية ضاغطة على كثير من الأسر.
الفئة الثانية من أهل الخير ستجدونها بين أولئك الذين مّن الله عليهم بالرزق الواسع والعطاء الوفير، ففهموا أنهم في ابتلاء عظيم. أجل، فهم إما أن يتنعموا بهذا العطاء الإلاهي ويعيشوا في رغد من العيش وبحبوحة من النعم، أو أن يجودوا ببعض ما رزقهم الله به من خير على من كان بهم خصاصة. هؤلاء اختاروا الثانية، فمّن الله عليهم بالأولى. هؤلاء البشر الملائكيين فضلا على حرصهم الشديد أن يؤدوا ما فرضه الله عليهم من زكاة، حرصوا كذلك على التصدق بأضعاف ما فرضه الله عليهم، فكانت مكافأة السماء لهم أن عاشوا في ستر من تقلبات الأيام وحفظ الله لهم أحبابهم بل إنه – سبحانه وتعالى - وسّع عليهم أبواب رزقهم. هذا الأمر تلاحظونه في زيادة أعداد مؤسسات العمل الأهلي التي تقدم خدماتها للمواطنين في طول البلاد وعرضها سواء في مواسم الأعياد أو عند دخول المدارس أو على مدار العام بتقديم خدمات مباشرة وغير مباشرة للمعوزين في القرى والمدن على السواء.
الجميل في الأمر، أن هناك من قرر منذ زمن أن يجود بالفضل كنسبة ثابتة من دخله، رغم أنه لم يبلغ نصاب الزكاة. لكن أمثال هؤلاء يقدرون حال الناس والظرف الاقتصادي وآمنوا بقول الله تعالى: " وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا "، فعملوا بالآية الكريمة موقنين أنهم سيجدون جزاء ما ينفقون بركة في المال، وصلاحا في العيال، وراحة للبال، وصحة في الأبدان، وأمانا من تقلبات الأحوال، ثم أمنا وسترا يوم لقاء العزيز المتعال.
إن كنت ترى عزيزي القارئ أن هذا الذي أقوله فيه شيء من الدروشة أو عدم الواقعية، فهذا شأنك. لكن يقيني أن الله يحفظ هذا البلد المبارك ببركة هذين الصنفين من الناس: فقير غير جازع أو حاقد أو ناقم، وغني عرف أنه مؤتمن على مال الله وموكل بتوصيله إلى عيال الله من الفقراء والمعوزين.
أقف هنا عند عينة من أهل الخير، هؤلاء الذين استغلوا السوشيال ميديا الاستغلال الأمثل فجعلوا من مواقعها منصة، ليس للتباهي والمن على الفقراء الذين يدعمونهم، بل لتحفيز غيرهم على تقليدهم في فعل الخيرات وإنفاق الصدقات. قد يرى البعض إنهم يستعرضون ويتباهون كصناع خير وأن الأفضل من هذا هو صدقة السر. ولأمثال هؤلاء أقول: اصنع مثلهم أو أمسك عليك لسانك. فمعظم هؤلاء يصورون الفيديوهات وهم يكتفون بالظهور الصوتي فقط من خارج الكادر بحيث لا يظهرون بصورتهم، ونحن " كده، كده " لا نكاد نعرفهم. وفي أحيان كثيرة، لا يُظهرون الفقير الذي يدعمون بل إنهم يحرصون على تظليل صورته حفظا لكرامته إن رأى أن في موقفه هذا ما يسبب له إحراجا هو أو عياله، وفي هذا من احترام الخصوصية ما يُذكر فيُشكر.
وهناك غيرهم ممن يصنعون محتوى إعلامي راق وسط هذا الغث الذي انتشر عبر الفضائيات، فجعلوا مادتهم مباشرة لكنها ذات تأثير قوي، إذ يتم توجيه أسئلة بديهية معروف إجاباتها بالضرورة، لكنهم يحفظون للمواطن كرامته وليبقى سعيدا أنه تكسب هذا المال نتيجة معرفته وليس من باب إحسان صانع المحتوى " أحمد رأفت " مذيع الشارع وفريقه. أو هذه السيدة الملاك هبة السويدي التي حولت مأساتها الشخصية بفقد الابن إلى باب خير كبير تقدمه لكل الأمهات من خلال مؤسسة اجتماعية ضخمة حتى لا يفقدن فلذات أكبادهن لا قدر الله.
هذه ليست قائمة الشرف والعطاء كاملة، بل هي مجرد قصاصة صغيرة منها، إذ أن أهل الخير في مجتمعنا تجدهم في طول البلاد وعرضها ينشرون الخير أينما سعوا ويجودون بالقليل الذي يملكون دن انتظار لمكافأة إلا من الخالق عز وجل. جهود فردية نعم، لكنها جهود عظيمة تتكامل مع ما تقدمه الدولة من خدمات صحية وغذائية ومالية في صورة معونات ورواتب شهرية للمحتاجين.هناك أيضا جهود اجتماعية بدأ النواب والسياسيون، بل والأحزاب في بذلها. قد يرى البعض أنها موجهة لأغراض سياسية ودعاية انتخابية غير مباشرة. لكن ما المشكلة في هذا طالما كانت تفيد المواطن الفقير وطالما أن المواطن غير مجبر في النهاية على تغيير إرادته مقابل هذا الدعم الذي يأتيه من نائب أو من حزب؟ فيا أغنياء هذا الوطن، ابذلوا الخير بسخاء وكونوا أهله فالناس في حاجة ماسة إليه، كما أنهم في حاجة أكبر لابتسامة صافية وكلمة رقيقة ومحبة خالصة.












0 تعليق