"الست" ريهام.. أستاذة "التفاصيل" التي جعلتنا نعيش مع نرجس

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

لم يكن ظهور ريهام عبد الغفور في شخصية "نرجس" ضمن أحداث مسلسل "حكاية نرجس" مجرد أداءً تمثيليًا عابرًا، بل كان أشبه بعملية كشف دقيقة لطبقات إنسانية معقدة، نراها حولنا يوميًا، وربما نتجاهلها لأنها تُقلقنا.

وخلال تلك التجربة قدمت ريهام نموذجًا لامرأة مصرية بسيطة، مهمشة، مأزومة نفسيًا واجتماعيًا، تحمل داخلها حرمانًا ثقيلًا من الإنجاب؛ وكان ذلك الدافع الدرامي المحرك لكل ما تلا ذلك من تحولات في الشخصية.

لم تلجأ ريهام إلى الاستسهال بتقديم الصورة المعتادة للشخصية الشعبية، بل اختارت المغامرة الأكثر وعورة،  الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، التي تجبر المتابع على ملاحظتها، حتى لو كان من النوع غير المهتم.

تمكنت من أدواتها البسيطة من ملامح وجه تسبق الكلام، نظرة عين زائغة، انكسار خافت في الصوت، بطء محسوب في الحركة، وكأن الجسد نفسه يئن تحت وطأة القهر، فلم تكتفِ ريهام بالأداء الصوتي والحركي، بل ذهبت إلى ما هو أبعد؛ إلى "فسيولوجيا الألم"، يظهر ذلك وهي في بيتها وقد أصابت "التعلبة" شعر رأسها وامتد الأثر إلى الحواجب، فتحاول معالجتها ذلك بقلم مكياج رخيص، لم يكن ذلك مجرد أدوات درامية شكلية، بل انعكاسًا واعيًا لحالة نفسية تتآكل تدريجيًا لشخصية نرجس، التي لم تكن ريهام "تمثلها"، بل كانت تعيشها.

الاهتمام بالأدوات لم يكن أقل دقة؛ كل قطعة كانت جزءًا من الحكاية، من حقيبة يد باهتة، إلى ملابس تفتقر لأي بهجة، وصولًا إلى تفاصيل صغيرة تحمل دلالات طبقية ونفسية، تؤكد أننا أمام شخصية نراها في المصالح الحكومية، في طوابير المستشفيات، أو حتى في شقق الجيران المغلقة على حكايات لا تُروى.
لم تعتمد ريهام منذ البداية على تقديم الشر المطلق النمطي لشخصية ارتكبت جرائم، أو الانحصار في تقديم "الضحية"، بل سيطرت على أدواتها النفسية في  التحول التدريجي  من امرأة مسكينة، مسحوقة، إلى شخصية قاسية قادرة على خطف الأطفال؛ هذا التحول لم يكن فجائيًا أو ملفقًا، بل جاء نتيجة وعي ريهام لتركيبة التراكمات النفسية لشخصية نرجس وإظهارها بالتصاعد المطلوب مشهدًا بعد آخر بتمكن شديد.

ريهام لم تقع في فخ تبرير الجريمة أو تجميلها، ولم تقدم "نرجس" كشريرة نمطية، بل كإنسانة انهارت ببطء حتى صدقت كذبتها الخاصة، هذا الصدق والتحليل الدرامي  كان أخطر ما في الشخصية؛ لحظة أن تتحول الكذبة إلى حقيقة داخل وعي صاحبها، فتسقط كل المعايير الأخلاقية دون صخب، مع تصلب الضمير تدريجيًا من الجريمة الأولى حتى الأخيرة، وفي ذات الوقت تجد من مشهد إلى آخر تميل إلى التعاطف مع نرجس رغم انحطاط الجريمة التي تقوم بها.

ومع دخول "نرجس" السجن، كان من السهل على أي ممثل أن يعيد ضبط الشخصية أو يبدأ من جديد، لكن ريهام اختارت الأصعب، الاستمرار بنفس الخيط النفسي، مع إضافة تراكمات جديدة، وعند خروجها من السجن، نجد مرحلة جديدة من الشخصية،  نرجس تقدمت في السن، مع آثار الانكسار محفورة في الملامح؛ وجه أكثر قسوة، يقاوم الواقع وينكره، لكنه أكثر هشاشة في العمق، لقد قدمت ريهام درسًا في كيفية الحفاظ على "وحدة الشخصية" رغم كل التقلبات الزمنية والدرامية، دون أن يهرب منها الإيقاع للحظة واحدة.
التعاطف الذي قد تشعر به مع نرجس لم يكن مقصودًا، ولكنه كان نتاج نجاح ريهام في التوازن بين القسوة والانكسار دون محاولة واضحة لتلطيف الشخصية، بل واجهتنا بها كما هي: مؤلمة، مربكة، وصادقة.

ريهام عبد الغفور في شخصية "نرجس" كانت أستاذة التمثيل، قدمت لنا درسًا في مدرسة التفاصيل  الدقيقة، لم تقصد الوصول بالمشاهد إلى أي شيء، فقط قدمت شخصية من قلب الشارع، بتفاصيل حقيقية، احترمت معرفة المشاهد بتلك النوعية من الشخصيات فحرصت أن لا تبتعد عن ذلك الواقع، قدمت إنسانة عادية جدًا، تشبه نساء نعرفهن، نتيجة فهم عميق لطبيعة المجتمع، وللضغوط التي يمكن أن تدفع إنسانًا عاديًا إلى حافة الجنون.

وفي زمن تمتلئ فيه الدراما بشخصيات تسقط في فخ التلفيق والافتعال، جاءت "نرجس" كصفعة هادئة، تذكرنا أن أعقد الحكايات قد تكون مختبئة في أبسط الوجوه، وهنا لم تثبت ريهام فقط قدرتها على التمثيل، بل أكدت أنها ممثلة تمتلك وعيًا دراميًا نادرًا؛ وعي يجعلها تختار أدوارها بعناية، وتغوص فيها دون خوف، حتى لو كانت النتائج صادمة أو غير مريحة.

لا استطيع أن افصل تاريخ ريهام الفني عن ذلك الاختيار، في سنواتها الأخيرة، إذ قدمت ريهام شخصيات درامية هامة، رغم تباين تركيباتها، إلا أنه يجمعها خيط ما وصل بريهام إلى هنا،  ومن الصعب ألا تقف عندها، كمحطات هامة من شخصية ضحى في مسلسل (وش وضهر) عام ٢٠٢٢، إلى فيروز في مسلسل (أزمة منتصف العمر) عام ٢٠٢٣، وأسماء في مسلسل (رشيد) عام ٢٠٢٣، وسامية في فيلم (ثورة النساء) عام ٢٠٢٤، ومسلسل (ظلم المصطبة) عام ٢٠٢٥، حتى نصل إلى "نرجس" تلك الشخصية، التي من الممكن اعتبارها تجربة كاملة، تثبت أن الدراما الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، بل إلى صدق.

فإن ما قدمته ريهام عبد الغفور من تعقيد شعوري داخل هذه الشخصية، نجح في كسر الحاجز التقليدي بين المشاهد و"المجرم"،  لم تضعنا أمامِ شرٍ خالص، بل أمام إنسانة تتآكل من الداخل؛ صراع دائم بين إحساسها بالذنب، واحتياجها المرضي لأن تصدق أنها لم تخطئ، وأن ما فعلته كان – بشكل ما – حقًا لها، هذا التوتر النفسي، الذي انعكس في نظرات مترددة، وانفعالات مكبوتة، ولحظات صمت أثقل من أي اعتراف، جعل المشاهد لا يكتفي بإدانتها، بل يجد نفسه – على غير رغبة – متورطًا في فهمها، وربما التماس أعذار لجرائمها، وهنا تكمن براعة ريهام؛ في قدرتها على دفع الجمهور إلى منطقة رمادية، لا يُلغى فيها الخطأ، لكن يُفهم أسبابه.

لا يمكن أن نتجاهل دور المخرج سامح علاء القاسم في كل تلك التفاصيل، أحد أفضل المخرجين الذين يجيدون إدارة الممثل أمام الكاميرا،  ترمومتر الأداء لريهام وضابط أدواتها، فكان لزامًا أن يكون بجانب ممثلة قيمة ومعلمة تمثيل مثل ريهام عبد الغفور مخرجًا مثل سامح علاء.

ولا يمكن سوى أن نقف عند دور الشركة المتحدة في الاهتمام بدراما الحياة التي تترك أثرًا عميقًا في الشخصية المصرية، بل، وتحدث تغييرًا في الواقع، من (أصحاب الأرض)، إلى (رأس الأفعى)، وصولًا إلى نرجس.

ريهام عبد الغفور وصلت لمرحلة متقدمة تستحق مزيدًا من التدقيق والتمييز في اختيار أدوارها، فهي  لم تعد مجرد ممثلة تجيد تقمص الأدوار، بل هي "قناصة تفاصيل" من الطراز الرفيع، هكذا يمكننا وصف ريهام عبد الغفور في تجربتها الأخيرة بمسلسل "حكاية نرجس" ريهام التي أعادت صياغة مفهوم "المرأة المصرية" في الدراما، بعيدًا عن النمطيات، لتقدم لنا نموذجًا "شبهنا"، نراه في المكاتب الحكومية، في طوابير المواصلات، وفي بيوت الطبقة المتوسطة التي تأكلها الضغوط وتطحنها الأحلام المجهضة، أمر يستحق أن نناديها "الست" ريهام.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق