لا أحد كان يتصور أن رؤساء دول كبرى يتبادلون الإهانات علنًا والخوض فى الحياة الشخصية، خاصة أن شعوب الغرب يُعرف عنها العملية الشديدة وفصل الحياة الخاصة عن العمل، بل إنهم يدافعون دائمًا عن الحرية الشخصية والخصوصية، لكن أن يقف رئيس ليعاير نظيره فى دولة أخرى بمعاملة زوجته له ويرد الآخر بأن ما قاله لا يستحق الرد، هى فى الحقيقة تعليقات غير مهذبة وغير لائقة.
أعتقد أنه ربما يكون ذلك دليلًا على انهيار إمبراطوريات ودول تأسست على فكرة الحرية، خاصة إذا كان هذا يحدث بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة عظمى مثل فرنسا.. تتبادل الإهانات على الهواء والعالم كله يرى ويسمع ويضحك أحيانًا.
واستكمالًا لحالة العبث الدولية التى يعيشها العالم عندما اتفق طرفا الحرب الأمريكية- الإسرائيلية والإيرانية على هدنة، ووقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز الذى كُتب عنه منذ ما يقرب من أربعين عامًا فى الصحف العربية والدولية، أن إغلاقه يعنى حربًا عالمية ثالثة، صعدت دولة الاحتلال فى جبهة أخرى، وهاجمت حزب الله ولبنان بحرب لا تقل قسوة عما حدث فى حرب غزة، فعلت ذلك فى الزحمة، وكانت الحجة أن لبنان ليست لها علاقة بهدنة إيران، لتغلق إيران هرمز من جديد، ويُدمر لبنان، وينتظر مصيرًا مجهولًا ومخيفًا.
أما الدول العربية فاتخذت منحنى آخر وكعادتها غردت خارج السرب، وبدلًا من التكاتف والتركيز على العدوان الذى تتعرض له وتحليل أسبابه وأهدافه، والبحث عن مخرج أخذت تتعارك مع بعضها البعض، هذا يشتم، وذاك يعاير، وآخر يرد.
وعندما قال ترامب إن آخر الهدنة هو يوم الأربعاء ليلًا بتوقيت الولايات المتحدة، قالت إيران إن آخرها الثلاثاء بتوقيت «طهران».. وفى النهاية وقبل أن تنتهى الهدنة بتوقيت «واشنطن» خرج ترامب على العالم ليقول إنه مدّد الهدنة حتى ترى إيران ماذا ستفعل!
من الواضح أن ترامب يريد الخروج من الحرب، بسبب ضغط الشعب الأمريكى الذى يندد بالحرب منذ بدايتها من ناحية، وخسارة الأسلحة والأموال من ناحية أخرى، خاصة بعدما هددت إيران بضرب خزانات النفط فى الخليج إذا عادت الحرب، ما جعله يدرك الواقع والوضع الحقيقى الذى يلومه شعبه عليه، وقال إن الشعب يريد عودة جنوده للوطن، والحقيقة أنه حتى مؤيدى ترامب منهم من يهاجمه على دخول حرب إيران، وأنه يستنزف أمريكا ويضحى بأبنائه من أجل نتنياهو، وأنها حرب غير معلومة أسبابها ولا نتائجها.. فالرجل يتعرض لضغط شعبى كبير منذ بداية الحرب.
يبدو أن صواريخ إيران ومُسيراتها التى صنعتها طوال أربعين عامًا أربكت حسابات واشنطن وتل أبيب، وجعلتهما تفقدان توازنهما بشدة، فقد نتج عن الحصار على إيران طوال ٤٧ عامًا، أفكار وحيل صنعت أسلحتها، التى عكف طلابها ومهندسوها على صنعها فى جامعة «أصفهان» ومناطق عدة فى إيران، وقد كانت إيران، كما يقول الخبراء: «سباقة فى مجال الطائرات المسيرة بالفعل»، وتفوقت فيها وأصبحت سلاحها الذى يربك عدوها، تحايلت على الحصار وفتحت أسواقًا بوكلاء وعملاء سريين جمعوا لـ«طهران» المواد التى صنعت منها المسيرات من دول كثيرة، والمفارقة أن من بينها أمريكا، وهو ما يفسر وجود مُسيرات بها مواد أمريكية الصنع.
دخل ترامب الحرب وهو يريد أن يخرج منها بأكبر مكاسب فى أسرع وقت، وبالتأكيد كان يدرك أن إيران ستقاوم، لكنه لم يكن يعرف لأى مدى سيصل عنادها.. هو يريد البترول والسلاح النووى وكل ما تطاله يده، ويظن أنه إذا ابتلع إيران سيستطيع أن يبتلع أى دولة أخرى فى المنطقة الثرية، عينه على بترول وثروات الخليج كله، لكن إيران أثبتت أنها «حجر عثرة» لن تُبتلع بسهولة وقد لا تُبتلع أبدًا.. وهو ما سبب حالة التخبط والتناقض فى خطاباته، فها هى المهلة الرابعة تقريبًا والهدنة تجر هدنة.
فقد غُرز فى حرب أدرك صعوبتها واستنزافها لسلاح وأموال بلده، ولم يحسب أن إيران ستتجرأ وتغلق مضيق هرمز، لكنها تجرأت، وجرأتها تُفقده عقله وتجعله يوجه سهامه أحيانًا ومعها انتقادات لا تليق برئيس أكبر دولة فى العالم، إلى الدول الأوروبية التى تخيل أنها رهن إشارته وتخشى غضبه وستوافق على دعمه فى الحرب، لكنها دول مرهقة أساسًا بسبب حرب أوكرانيا ومن قبلها جائحة «كورونا»؛ ما سبب لها أزمات اقتصادية كبيرة، ولن تدخل فى حروب مجانية لا تعرف أسبابها الحقيقية ولا تدرك مكاسبها من أجل أحد.
الحرب دائرة رغم الهدنة والعالم يخشى توسعها، فهو لا يتحمل كلفة حرب عالمية ثالثة، وزعماء الدول الكبرى يسخرون من بعضهم على الملأ، وشعوب لا تشعر بخطر اللحظة وتتصادم فى الوقت الخطأ، وكأننا نشاهد الفيلم العربى «عالم عيال عيال».












0 تعليق