مصر كما يراها رئيس فنلندا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما أعطى الرئيس عبدالفتاح السيسى الكلمة للرئيس الفنلندى، «ألكسندر ستوب»، فى المؤتمر الصحفى المشترك بينهما، توقفت لحظة أتأمل فيها وقفة هذا السياسى البارز فى قصر الاتحادية. 

كانت وقفته وقفة ثقة وثقل. 

وعندما تحدث أدركت أن تجربته منحته حكمة ورؤية عابرة للحدود، وقافزة فوق الأزمات وتعقيدات المشهد الدولى الذى نعانى منه جميعًا. 

على كثرة ما سمعت من رؤساء العالم، الذين تحدثوا فى مؤتمرات صحفية، إلا أننى لمست فى «ألكسندر ستوب» إدراكًا كاملًا لحقيقة ما أصبحت عليه مصر الآن. 

سألت نفسى: هل يمكن أن يكون مجاملًا لنا بفعل البروتوكول؟ 

إلا أننى عندما أعدت كلامه وبحثت فى المعانى التى صاغها وجدته صادقًا تمامًا. 

من ناحية لأنه لا يوجد ما يضطره أو يدفعه إلى أن يقول كلامًا ليس حقيقيًا. 

ومن ناحية ثانية لأنه تحدث عن أشياء نلمسها على أرضنا، ولا نتردد فى أن نتحدث عنها حتى لو كان هناك من ينكرها أو يشوهها ويشوّه مَن يتحدثون عنها. 

فنحن لا نخفى ما حققته مصر، ولا نتحرّج من الحديث عنه، خوفًا أو خضوعًا لابتزاز ممن يدّعون كذبًا وزورًا على أوضاعنا الخارجية والداخلية. 

كان المشهد الذى رسمه «ألكسندر ستوب» موحيًا وملهمًا فى آن واحد. 

فى العام ٢٠٠٩ كان هنا، زار مصر ضمن وفد رئاسى، وكان وقتها وزيرًا لخارجية فنلندا بحكومة «فانهانن» الثانية. 

يقول ألكسندر إنه هذه المرة عندما زار القاهرة رصد تغيّرًا كبيرًا، عندما تجول مع الوفد المرافق له وجد حركة بناء هائلة فى الطرق والبنية التحتية، كما شهد تطورًا هائلًا فيما يتعلق بالمرور.. لقد وجد مصر أخرى فى كل شىء. 

هذه الكلمات نقولها دائمًا لأننا نعيشها، لكن عندما يقولها رئيس فنلندا فى زيارة المفروض أن من بين أهدافها تعاونًا اقتصاديًا يخضع لمعايير محددة وتقييمات فنية واضحة، فإنها تعنى الكثير، لأنه لن يخدع نفسه ولن يخدع شعبه.. فإذا كانت هناك مجاملات فى السياسة.. فلا مكان لها فى الاقتصاد والمصالح والتعاون والتبادل التجارى.. فالمسألة كلها تخضع للأرقام.. والأرقام لا تكذب ولا تتجمل. 

توافق ألكسندر خلال زيارته على تعاون كبير مع مصر فى مجال التعليم بمراحله المختلفة، وأشار إلى أنه سيكون هناك تعاون فى قطاعى الصحة والاتصالات، وأكد رغبة بلاده فى تعزيز حجم التبادل التجارى بين مصر وفنلندا، فى إشارة واضحة إلى قوة ما تملكه مصر فى هذه المجالات. 

المشهد الثانى والأكثر دلالة بالنسبة لى، كان فيما قاله «ألكسندر ستوب» عندما أطل من نافذة الفندق الذى أقام فيه بالقاهرة. 

وقف ألكسندر خلف نافذته، وتطلع إلى منظر النيل المتدفق الذى يتآمر عليه الجميع الآن ولا يريدون له أن يواصل جريانه، وجذبه هذا التعانق الفريد بين حضارة بلد تمتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام- كما قال- وحاضرها الذى يشهد حركة بناء لا تتوقف. 

كان إعجاب ألكسندر بمصر الحاضر باديًا من كلماته، وهو ما عبّر عنه فى جلسته الحوارية بمنتدى مصر- فنلندا الاقتصادى، الذى عُقد بعد المؤتمر الصحفى الذى عقده مع الرئيس عبدالفتاح السيسى. 

أعاد ألكسندر مرة ثانية حديثه عن زيارته مصر. 

قال: أتيت هنا عام ٢٠٠٩ على رأس وفد من رجال الأعمال، وكنت أشغل وقتها منصب وزير بالحكومة الفنلندية، واليوم جئنا إلى مصر وشاهدنا ما حدث فيها من تطور كبير فى العديد من المجالات والقطاعات، منها ما يتعلق بالتطوير فى قطاعات البنية التحتية، كما رأيت تطورًا مهمًا فيما يتعلق بتراجع الازدحام المرورى، كما أن الغالبية العظمى من المصريين من فئة الشباب، وهذا بمثابة قوة كبيرة. 

وعندما طلبت منه محاورته دروسًا يقدمها للدولة المصرية فى حالتها الراهنة. 

اعتذر عن ذلك قائلًا ما يمكننا أن نعتبره شهادة ثقة كبيرة: أنا لست هنا لأقدم دروسًا لواحدة من أقدم الدول والحضارات فى التاريخ. 

يمكن أن يعتبر البعض ما قاله الرئيس الفنلندى كلامًا دبلوماسيًا يقوله فى مشهد تعاون وترحيب به وبالوفد المرافق له، وهو ما أثنى عليه وأشاد به وشكر الرئيس عبدالفتاح السيسى أكثر من مرة بسببه، لكنه يعبر عن حقيقة أعتقد أن كثيرًا لا يقرون بها، وعن صورة واضحة يحاول كثيرون تشويهها والإساءة لها.. لكن كل الوقائع والمؤشرات والمعطيات تقول إن هذه هى صورة مصر الحقيقية. 

حديث ألكسندر ستوب عن مصر الدور، لا يقل أبدًا عن حديثه عن مصر الواقع والإنجاز. 

لكن قبل أن نتحدث عما قاله وأشار إليه عن دور مصر ومكانتها الدولية وما تقوم به فى جعل العالم أكثر أمنًا واستقرارًا وسلامًا، لا بد أن نطل على أفكاره وما تحدث به سابقًا، لنعرف مَن يتحدث. 

مسيرة ألكسندر ستوب السياسية مسيرة يقدرها من يعرفها. 

من مواليد ١٩٦٨، تخرج فى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، شغل مناصب عديدة فى بلاده، فكان وزيرًا للخارجية، ووزيرًا للشئون الأوروبية والتجارة الخارجية، ونائب رئيس الوزراء ووزير المالية، ونائب رئيس البنك الأوروبى للاستثمار، وأستاذ ومدير مدرسة الحوكمة العابرة للحدود الوطنية فى معهد الجامعة الأوروبية، وفى العام ٢٠١٤ تم انتخابه رئيسًا للوزراء، ورئيسًا لحزب الائتلاف الوطنى، وفى العام ٢٠٢٤ فاز بالانتخابات الرئاسية. 

لديه رؤية واضحة فيما يواجه العالم من أزمات، وتردد اسمه فى مفاصل عديدة فيما يخص ما يشهده العالم من صراعات عسكرية، وموضع الولايات المتحدة الأمريكية فيها. 

كان لهذه الرؤية صدى فيما قاله عن الدور الذى تقوم به مصر الآن، ويبدو أنه يتابعه بشكل جديد. 

حدد ألكسندر ستوب رؤيته فى نقاط محددة، يمكن أن نرصدها على النحو التالى: 

أولًا: يعيش العالم الآن فى حالة من الاضطراب وانعدام السلام، حيث تحولت عوامل يفترض أن توحدنا مثل التجارة والطاقة والتكنولوجيا إلى أسباب للانقسام، مع تصاعد النزاعات المحلية وتحولها إلى صراعات إقليمية وعالمية. 

ثانيًا: غياب التوازن فى القوة العالمية يفتح المجال أمام أطراف أخرى لملء هذا الفراغ. 

ثالثًا: تهميش مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة يؤدى إلى عالم قائم على الصفقات. 

رابعًا: يجب أن تقوم الدبلوماسية على تحقيق المنفعة المتبادلة، وليس على حساب طرف لمصلحة طرف آخر. 

خامسًا: العالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، إلا أن هذه التعددية أدت إلى زيادة النزاعات، بينما المطلوب هو تعزيز العمل متعدد الأطراف. 

سادسًا: المجتمعات تسعى إلى الاستقرار والتنمية، لكنها تتأثر بقرارات دول لا تشاركها نفس الرؤية، وهو ما حدث فى حرب أوكرانيا، وما تمثله من انتهاكات للقواعد الدولية، وما أحدثته من تأثير على الأمن الأوروبى والنظام العالمى. 

سابعًا: الجغرافيا السياسية باتت تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، كما حدث فى الحرب الروسية- الأوكرانية وتأثيرها على الغذاء والأسمدة، وكذلك تأثير إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمى. 

ثامنًا: العلاقات عبر الأطلسى تمر بمرحلة تحول، مع سعى أوروبا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وقد أسهمت التحديات المشتركة فى توحيد المواقف الأوروبية.

خرج ألكسندر ستوب من هذه الرؤية، التى صاغها فى محددات واضحة، إلى رؤيته الدور الذى تقوم به مصر الآن. 

يرى ستوب أن لمصر دورًا فاعلًا فى دعم الاستقرار والسعى إلى الحلول السلمية، وهو ما كان واضحًا، سواء فى حرب غزة أو فى الأزمة التى تفجرت على هامش الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران. 

ويرى، كذلك، أن مصر تحديدًا لديها القدرة على لعب دور قيادى فى دعم المؤسسات الدولية وتعزيز القواعد والأعراف الحاكمة للنظام الدولى، وذلك لما تتميز به فى ظل موقعها وتأثيرها فى الشرق الأوسط وإفريقيا. 

لدى الرئيس الفنلندى نظرية سياسية مهمة تقوم على أن الأزمات من المفروض أن تدفع نحو مزيد من التعاون، وأن حماية المصالح لا بد أن تنبع من الاعتماد على الذات، دون أن يحول ذلك من التعاون مع الحلفاء، ودون الابتعاد عن النظر إلى النزاعات باعتبارها منفصلة، فكل الملفات العالمية يربط بينها خيط ما، قد لا نراه، لكن لا ينفى هذا أنه موجود ومؤثر. 

من خلال هذه النظرية، يرى ألكسندر ستوب لمصر دورًا مهمًا فى حل الأزمات الإقليمية والعالمية أيضًا، وفى الوقت الذى ثمّن فيه بوضوح ما قامت به مصر فى حلحلة ملف غزة، فإنه يتمنى أن تواصل عملها ونهجها لحل الأزمة فى إيران. 

إننا أمام لحظة مهمة للغاية، إذا جاز التعبير، فإننا يمكن التعامل معها على أنها لحظة الحقيقة التى لا يريد كثيرون ألا يعترفوا بها. 

لقد عملت مصر، خلال السنوات الماضية، على أكثر من محور، وفيها جميعًا كانت لديها فلسفة واضحة تقوم على أن السلام والتنمية هما أساس الاستقرار فى العالم، ولذلك لم تدخل أى ملف إلا وهذه الرؤية أمامها، وهو ما يعرفه العالم عنها، ويعرفه جيدًا ألكسندر ستوب، وقد يكون الفارق بينه وبين الآخرين أنه عبّر بوضوح تام عما يراه حقًا. 

هذه هى صورة مصر التى يراها العالم، ورسمها ستوب.. وأعتقد أنها لا تفارق الحقيقة لا فى قليل ولا فى كثير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق