في وقت تتشابك فيه خيوط الأزمة السودانية بين العسكري والسياسي والإنساني، قدّم العميد الدكتور جمال الشهيد، الخبير العسكري والأمني السوداني، قراءة تحليلية معمقة لمسار الحرب خلال ظهوره في بودكاست "هنا السودان من القاهرة" بجريدة الدستور، مستندًا إلى خبرة ميدانية واسعة في إدارة العمليات العسكرية وخوض المعارك.
استهل الشهيد حديثه بالعودة إلى جذور الأزمة، مؤكدًا أن ما جرى في 15 أبريل 2023 لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات سياسية معقدة أعقبت المرحلة الانتقالية، حيث تصاعدت الخلافات بين مكونات السلطة، خاصة حول قضايا دمج القوات وصلاحيات الحكم.
هذه التباينات، بحسب وصفه، تحولت تدريجيًا إلى توتر أمني انتهى بانفجار المواجهات المسلحة بعد هجمات مباشرة شنتها ميليشيا الدعم السريع على مواقع سيادية.
وأوضح أن الصراع سرعان ما خرج من نطاقه المحدود ليتحول إلى حرب شاملة، امتدت من العاصمة الخرطوم إلى عدة ولايات، وأثرت بشكل مباشر على المدنيين، مع انتقال القتال إلى داخل الأحياء السكنية والمرافق الحيوية. ولفت إلى أن الحرب خلّفت آثارًا كارثية على البنية التحتية، إلى جانب موجات نزوح ضخمة تُقدّر بنحو 13 مليون سوداني، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية غير المسبوقة.
وفي تقييمه للأداء العسكري، أشار الشهيد إلى أن القوات المسلحة تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها وتطوير استراتيجياتها، معتمدة على تكتيكات الاستنزاف وإعادة الانتشار، وهو ما أسهم في تحقيق تقدم ميداني واستعادة مناطق استراتيجية، ما أدى إلى تغيير تدريجي في ميزان القوى على الأرض.
كما تناول الانتهاكات التي صاحبت الحرب، معتبرًا أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل استهداف المدنيين ونهب الممتلكات وتدمير المنشآت. وأكد أن هذه الممارسات أسهمت في تعقيد المشهد وتحويله إلى أزمة متعددة الأبعاد.
وفي سياق متصل، شدد على أهمية الدعم الشعبي، الذي وصفه بالعامل الحاسم في صمود القوات المسلحة، سواء من خلال التعبئة المجتمعية أو الدعم المالي من السودانيين في الخارج، ما عزز من الروح المعنوية للمقاتلين.
وعلى المستوى الدولي، رأى الشهيد أن المواقف لم ترتقِ إلى حجم الأزمة، حيث اقتصرت على بيانات وإجراءات محدودة لم تُحدث تأثيرًا حقيقيًا في مسار الصراع، في ظل تعقيدات المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بموقع السودان الاستراتيجي.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن مؤشرات الميدان قد تقود إلى حسم عسكري، لكنه حذّر في الوقت ذاته من مخاطر اتساع رقعة الصراع، مؤكدًا أن الحل يتطلب رؤية شاملة تعيد بناء منظومة الأمن الإقليمي وتحد من التدخلات الخارجية.
















0 تعليق