الجمعة الماضى، وفى المسجد الذى اعتدت الصلاة فيه، وجدت الخطيب يركز فى خطبته الأولى على موضوع «الدعوة إلى الأمل والثقة فى الله». قلت فى نفسى: بعد دقائق معدودة ربما يمهد للحديث عن الانتحار فى خطبته الثانية.. وقد صدق حدسى. شرح الشيخ أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة، وأكد تحريم الاعتداء على النفس «بما فى ذلك الانتحار». وحذر من اليأس والقنوط، وتلا عدة آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة تشرح هذا الأمر، وفى محور آخر، ركز على الثقة فى رحمة الله.. كما تطرق لدور المجتمع والأسرة فى دعم من يمر بأزمات.
تطور مهم أن يتناول شيخ أزهرى من فوق المنبر، موضوع الانتحار بعيدًا عن الرؤية الدينية التقليدية. بالطبع حادثة الانتحار الشهيرة التى وقعت فى الإسكندرية، هى وراء هذا التفاعل معها على كل المستويات. واقعة تسببت فى أن تقرر وزارة الأوقاف هذه الخطبة على جميع المساجد.
بعد عودتى من المسجد، دخلت على الموقع الرسمى لوزارة الأوقاف، فوجدت بالفعل عرضًا للأفكار حول موضوعى الخطبة الأولى والثانية». أعلم أن الوزارة تحدد الموضوع الرئيسى وكذلك الفرعى، وتنشر على صفحتها خطبة استرشادية مع خطب قديمة فى نفس الموضوع. وعلى كل خطيب أن يلتزم بالموضوع لكن له حرية اللجوء إلى أفكار ونصوص أخرى تخدم رؤيته. بصراحة، فإن الأفكار على الصفحة الرسمية عن الانتحار بعيدة عن الغلو والتطرف الذى عهدناه، حتى إننى وجدتها أفضل من خطبة الشيخ التى تفاعلت معها.
نعرف شيوخًا مصريين وغير مصريين متشددين جدًا، يلجأون إلى تكفير المنتحر، ويتوقفون عند ارتكابه كبيرة عظيمة جدًا، ويُشدون على الوعيد ضده وسوء آخرته. ينطلقون فى ذلك من تفسيرهم التقليدى للحديث النبوى الشريف بأن «من قتل نفسه بشىء عُذِّب به يوم القيامة». قد يصل بعضهم إلى التشكيك فى إيمان المنتحر أو الحكم عليه بالخلود فى النار، رغم أن هذا القول ليس هو رأى جمهور علماء المسلمين عبر التاريخ. هم يتوقفون عند إنهائه حياته.. ولا يتعمقون فى الحالة النفسية للشخص المنتحر، أو إمكانية إصابته بمرض نفسى قاده لهذا المصير.
الشيوخ الثقات المعتدلون يذهبون إلى أن فقد القدرة عند الشخص، أى عجزه عن الإدراك بشكل كلى، أو شبه كلى، لا يجعله مسئولًا عن أعماله، حتى لو أدى ذلك لكى يُقدم على إنهاء حياته. الإصابة بالذهان الشديد أو الدرجات المتأخرة من ثنائى القطب أو مراحل الاكتئاب الحادة، مع غياب التدخل العلاجى المستمر والمتابعة- كلها مسببات قد تقود لهذا المصير. الموضوع هنا دقيق جدًا، ويحتاج لدقة فى الشرح والفهم.
ورغم الشهرة التى حظى بها موضوع الانتحار مؤخرًا بسبب وقائع بعينها فإننا فى مصر وفى العالمين العربى والإسلامى عمومًا ضمن أقل النسب عالميًا فى الانتحار. الوازع الدينى الذى يؤكد تحريم قتل النفس والعاقبة السيئة لمن يفعل ذلك، ينجح فى مهمته إلى حد كبير.. ونتمنى أن يستمر وجود هذا الحافز دائمًا.
أول من نبهنى إلى أهمية العامل الدينى فيما يتعلق بتراجع نسب الانتحار هو الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسى الأشهر. أطلعنى فى مكتبه، على نتائج المسح القومى الشامل للصحة النفسية فى مصر، الذى نفذته وزارة الصحة وجهات أخرى. أُجرى هذا المسح عام ٢٠١٨.
هناك أرقام مهمة فى المسح، من ضمنها أن ٢٤٪ من المصريين لديهم أعراض نفسية، منها ٧٪ فقط اضطرابات مُشخّصة. وضمن هذا المسح الشامل، فإن نسب الأمراض النفسية تزيد فى الريف على المدن الكبرى.
أما ما يتعلق بمعدلات الانتحار، التى أتوقف عندها هنا، فجاءت أقل من المعدلات العالمية بكثير جدًا. المعدل العالمى «٩ حالات لكل ١٠٠ ألف». أما فى مصر، فهى فى حدود ٣ حالات لكل ١٠٠ ألف. فى دراسة أحدث نفذها المركز القومى للبحوث، فإن النسبة تكاد تكون أقل من ذلك. الدكتور عكاشة شرح لى بشكل شامل أن الثقافة الدينية الإسلامية- وكذلك المسيحية- مسئولة عن تراجع النسبة فى مجتمعنا. لا أتوقع فى أى مسح نفسى جديد أن تزيد النسبة كثيرًا.
نعلم أن هناك ضغوطًا كثيرة، اقتصادية واجتماعية، يتعرض لها المصريون، قد تكون مسئولة عن رفع معدلات المرض النفسى بكل أشكاله، لكن وسائل التواصل الاجتماعى وشهرة بعض الضحايا، تزيد مخاوفنا أكثر مما ينبغى. الأهم أن نكثف التوعية بالمرض النفسى والمواجهة بشكل مبكر.. ونستمر فى دعم حملات «إزالة الوصمة عن العلاج من المرض النفسى».
هذه الأمور هى بداية المواجهة الإيجابية للانتحار وغيره من الظواهر القديمة أو المستحدثة فى المجتمع.















0 تعليق