يأتى لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى مع مسعد بولس كبير مستشارى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للشئون العربية والإفريقية، فى وقت يتسم بتشابك الملفات الإقليمية والحاجة المتبادلة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية.
عكست المباحثات التى جرت فى القاهرة مؤخرًا رغبة واضحة من إدارة ترامب فى الاعتماد على مصر كحجر زاوية للأمن الإقليمى، بينما سعت القاهرة لترسيخ خطوطها الحمراء فى ملفات حيوية، وعلى رأسها الأمن المائى والأزمات الحدودية. وكان لافتًا تشديد الرئيس السيسى على أن أمن مصر المائى قضية وجودية. هذا التصريح أمام مستشار ترامب يحمل دلالة سياسية قوية، تهدف إلى تذكير الإدارة الأمريكية بضرورة ممارسة ضغوط فعالة فى ملف السد الإثيوبى.
كما أن التأكيد على أى ترتيبات إقليمية جديدة يجب ألا يمس بحقوق مصر المائية. وتمت مناقشة تطورات الأزمة السودانية، حيث برز توافق على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع التدخلات الخارجية.
والرؤية المصرية ترفض الفراغ السياسى الذى قد يؤدى لتمدد التنظيمات الإرهابية، وتسعى من خلال بولس إلى إيجاد مقاربة تنهى النزاع المسلح، بما يخدم مصالح واشنطن فى القرن الإفريقى.
وقد أشاد الرئيس السيسى بجهود إدارة ترامب فى الوصول لوقف إطلاق النار فى لبنان، ما يعكس رغبة القاهرة فى هدوء بؤر التوتر المحيطة بالمنطقة، لإتاحة الفرصة أمام مشروعات التنمية الاقتصادية المشتركة.
ولم يغب الاقتصاد عن اللقاء، حيث تم التأكيد على أهمية الدورة الثانية للمنتدى الاقتصادى، وهذا يعكس تحولًا فى العلاقة من المساعدات إلى الشراكة الاستثمارية، خاصة فى قطاعات الطاقة والبنية التحتية التى توليها مصر أولوية قصوى.
إن زيارة مسعد بولس ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل مهمة تنسيق رفيعة المستوى. إدارة ترامب تدرك أن مفاتيح الحل فى ملفات السودان وليبيا وأمن البحر الأحمر تمر عبر القاهرة. وفى المقابل نجحت مصر فى وضع ملفاتها السيادية مثل أزمة المياه على طاولة صانع القرار الأمريكى فى وقت مبكر. والحقيقة أن العلاقة بين السيسى وترامب تتجاوز التفاهم الشخصى لتتحول إلى تحالف الضرورة الاستراتيجية فى منطقة تموج بالتحولات.
ودائمًا ما تؤكد الولايات المتحدة، فى مختلف المحافل والمناسبات الدبلوماسية، أن مصر تمثل اللاعب الرئيسى والطرف الذى لا غنى عنه فى معادلة الاستقرار الإقليمى. هذا التأكيد لا ينبع فقط من ثقل مصر التاريخى والجغرافى، بل اعتراف صريح بحكمة ورصانة القيادة السياسية المصرية فى التعامل مع ملفات المنطقة الشائكة.
وتتجلى هذه الحكمة فى قدرة الدولة المصرية على موازنة المصالح القومية مع ضرورة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. فمنذ سنوات أثبتت القيادة السياسية أنها تمتلك رؤية استراتيجية ثاقبة فى إدارة الأزمات، سواء من خلال الوساطة الفاعلة فى الملف الفلسطينى، أو العمل على تهدئة الصراعات فى ليبيا والسودان، وفى الحرب الأمريكية الإيرانية، وصولًا إلى مكافحة الإرهاب بأسلوب شامل يجمع بين المواجهة الأمنية والتنمية الاقتصادية.
وتمثل مصر نقطة الارتكاز التى تمنع انهيار التوازنات فى منطقة تموج بالاضطرابات، كما تحظى القاهرة بثقة القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن، كطرف يمتلك قنوات اتصال فعالة مع كل الأطراف، وربطت القيادة السياسية بين الأمن الداخلى والازدهار الإقليمى، ما جعل من مصر نموذجًا يحتذى به فى الإصلاح والبناء.
إن الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن تعكس إدراكًا دوليًا بأن مفتاح الحل لأزمات الشرق الأوسط يمر دائمًا عبر القاهرة. وبفضل القيادة الرشيدة، استعادت مصر دورها كحائط صد منيع أمام الفوضى، وكقوة دفع كبرى نحو مستقبل أكثر استقرارًا وهدوءًا للإقليم وللعالم أجمع.















0 تعليق