لا يمكن اعتبار ما يجري في الشرق الأوسط مجرد فوضى عابرة أو موجة جديدة من موجات الاضطرابات في بنية الدولة المأزومة.
نحن أمام تغيرات بنيوية في شكل النظام الدولي نفسه. عملية إعادة صياغة تتم من خلال الفك والتركيب. والأمر هنا لا يقتصر على إعادة توزيع القوة، لكن من خلال الطريقة التي تدار بها الصراعات، والمعنى الذي تنتجه داخل النظام.
استخدام القوة فيما سبق كان مقتصرا على درء المفاسد أو دفع المخاطر الناجمة عن رغبات سياسية منحرفة لأنظمة حكم تستهدف تحقيق مصالحها على حساب غيرها. أما خلال العقد الذي بدأ بأحداث 11 سبتمبر، وانتهى بموجات الاضطرابات الكبرى في دول العالم (الربيع العربي مثلا) أصبح استخدام القوة العسكرية هدفه الوحيد تسييد إرادة الأقوى.
الأزمة المالية الأمريكية 2008 أنتجت صعوبات معيشية عميقة عانت منها مختلف شعوب العالم وبالأخص الدول الفقيرة. تلك الضغوطات أسفرت عن انفجار الأوضاع، وفقدت الولايات المتحدة السيطرة المطلقة. لم يعد أمام واشنطن حينها إلا التدخل عسكريا لصياغة قواعد جديدة تضمن استعادة هيمنتها على العالم لا سيما في ظل صعود قوى أخرى تزاحمها على القيادة.
على مدار العقود الماضية، كان تفكك الدول والمجتمعات عبارة عن خلل بنيوي يجب احتواؤه وإصلاحه حتى لا ينفجر في أماكن أخرى (العالم احتشد لمنع إفلاس اليونان خوفا من تأثير الدومينو)، الآن وبعد تغير عقلية الإدارة الأمريكية أصبح تفكيك الدول شرطا أساسيا لعمل النظام الجديد.
هل نتذكر مصطلح الفوضى الخلاقة التي روجت له كونداليزا رايس بعد غزو العرق؟ لم ينتبه أحد حينها أن واشنطن غيرت تكتيكاتها تماما بحيث لم تعد الفوضى نقيضا للنظام، بل أحد مكوناته التشغيلية.
انتقلنا من نظام يسعى إلى "احتواء الفوضى" وتثبيت الاستقرار، إلى نظام جديد يتخذ من "التفكك المدار" منهجا.
بمعنى أكثر وضوحا، لم يعد التفكك وإسقاط الدول انحرافا، بل أصبح هو المعيار والشرط الضروري لإعادة إنتاج التوازنات الدولية.
الباحث السياسي البريطاني ديفيد هيلد الذي أسهم في تطوير نظرية "الديمقراطية الكونية والحوكمة العالمية" أثبت أن الأزمات المعاصرة لا تنشأ فقط من غياب الحلول، بل من تضارب أنماط الشرعية داخل النظام العالمي، وهو ما يفسر استمرار بعض الصراعات رغم توفر مسارات نظرية لحلها.
الشرق الأوسط بكل تناقضاته يحتل موقع الصدارة في هذا التحول، ليس فقط لكونه بؤرة اضطراب، بل لكونه "المجال الحيوي" الذي تختبر فيه القوى الكبرى قدرتها على إدارة الصراعات.
بعبارة أخرى مباشرة وبسيطة، لم يعد ينظر لفشل الحروب في الحسم العسكري على أنه إخفاق استراتيجي، بقدر ما هو آلية لضبط الإيقاع.
المفكر الاستراتيجي ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي قال هو الآخر، إن العالم تحول من مرحلة إدارة النظام من الأعلى، إلى المرحلة التي تدار فيها الفوضى عبر ترتيبات مؤقتة وهشة.
هذه المقولة ترسم إلى حد بعيد ملامح النظام العالمي الجديد الذي سيولد من رحم هذا التحول.
لفهم أعمق لهذا التحول ومدى تأثيراته المستقبلية، فإن الصراع في ثلاث ساحات رئيسية ( الحرب في أوكرانيا، التوتر المتصاعد حول تايوان، والمواجهة المستمرة مع إيران) تعيد رسم توازنات القوة عالميا
هذه الساحات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تشكل منظومة واحدة لإعادة توزيع النفوذ. غير أن خصوصية الشرق الأوسط تكمن في كونه المجال الذي تتحول فيه نتائج هذه التفاعلات إلى ترتيبات على الأرض.
الحروب الجارية اليوم لم تعد تسعى إلى الحسم النهائي، بل إلى إنتاج توازنات قابلة للإدارة. وهو ما أشار إليه ثعلب السياسة الأمريكية الراحل هنري كيسنجر الذي قال في أكثر من مناسبة إن الاختبار الحقيقي لأي نظام دولي ليس قدرته على إنهاء الصراعات، بل على إدارتها ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل.
هذه المقاربة تفسر لماذا تستمر النزاعات دون أن تصل إلى نهايات حاسمة، ولماذا تتعايش التهدئة والتصعيد في آن واحد.
إعمالا لتلك القاعدة يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دمر إيران وألحق بها أضرارا لا يمكن معالجتها في الأجل القريب، أن التفاهم مع طهران لا يزال ممكنا
في هذا الإطار، يمكن فهم التباين الظاهري في السياسات الدولية (التهدئة مع إيران واستمرار العمليات العسكرية في مناطق أخرى) ليس باعتباره تناقضا، بل تعبيرا عن منطق توزيع أدوار داخل نظام يسعى إلى الحفاظ على مستوى معين من التوتر المنضبط.
هذا النمط لا يعكس بالضرورة قوة النظام الدولي، أكثر من كونه عاجزا عن إنتاج بدائل مستقرة، فبدلا من الوصول إلى تسويات نهائية، يتم اللجوء إلى إدارة الصراع كخيار اضطراري.
الفيلسوف البولندي زيجموند باومان صاحب سلسلة مؤلفات "السيولة" (الشر السائل – الحب السائل، إلخ) أوضح أنه في حالات السيولة كالتي يعاني منها النظام العالمي حاليا تصبح الحالة الدائمة هي عدم الاستقرار، ويصبح التكيف المستمر هو القاعدة.
يبدو أن العالم مقبل على فترات طويلة من التكيف مع الاضطرابات المتوقعة، خصوصا في ظل اختلاف أدوات الهيمنة من الاحتلال المباشر أو التحكم التقليدي في الجغرافيا، إلى التحكم في الطاقة، سلاسل الإمداد، ورؤوس الأموال.
ضمن هذه المعادلة، تحتل إسرائيل موقعا مركزيا، فهي تستفيد من استمرار التوتر، لكنها في الوقت ذاته محكومة ببيئة لا تسمح لها بحسم أي جبهة نهائيا. وبالتالي، فإن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها العسكرية، بل بمدى قدرتها على التكيف مع نظام إقليمي أكثر تعقيدا.
الشرق الأوسط يتجه نحو نمط يمكن وصفه بـ"الاستقرار المدار" الذي لا يشترط إنهاء الصراعات، بل ضبطها ضمن حدود معينة. وهو نمط استقرار هش، قابل للتعديل المستمر، صحيح أنه يمنع الانهيار الكامل لكنه لا يؤسس لسلام دائم. ليصبح السؤال ليس متى تنتهي الحروب؟ ولكن كيف تدار؟ ولصالح من؟














0 تعليق