في قراءة استباقية سبقت التوترات الراهنة، أظهر تحليل اقتصادي أن استراتيجية الردع الإيرانية المعروفة باسم "معادلة قاليباف" تواجه عقبات واقعية حادة؛ إذ يشير الخبراء إلى أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز -سواء عبر إغلاق إيراني أو حصار أمريكي- قد يرتد أثره عكسياً ليكبد طهران خسائر مالية وصناعية هائلة تفوق الأضرار التي قد تلحق بخصومها.
وتقوم "معادلة قاليباف" -وهي استراتيجية جيوسياسية يروج لها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف- على مبدأ "الأمن للجميع أو لا أحد". ووفقاً لهذه الرؤية، هددت طهران بتعطيل الملاحة الدولية ومنع صادرات النفط الإقليمية عبر المضيق، في حال أدت الضغوط والحصار الأمريكي إلى منع إيران من بيع نفطها، بهدف دفع أسعار الطاقة العالمية نحو مستويات قياسية للضغط على واشنطن، وفقا لموقع فيرست بوست.
إلا أن المحللين الاقتصاديين وصفوا هذه الاستراتيجية بأنها مقامرة "انتحارية"؛ مشيرين إلى أن اعتماد إيران الكلي على الممر المائي لتأمين السلع الأساسية يجعلها الضحية الأولى لأي حصار. ونقل تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" عن محللين قولهم إن الخطاب الإيراني الذي يصور المواجهة كـ "فخ رياضي" للبحرية الأمريكية يصطدم بالواقع الاقتصادي المرير.
وتشير البيانات التحليلية إلى أن الحصار قد يستنزف قرابة 435 مليون دولار يومياً من شريان الاقتصاد الإيراني المتعثر، مما قد يؤدي إلى انهيار هيكلي في القطاعات الصناعية والمالية للبلاد، ويدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات قياسية تتجاوز 180%، وهو ما يحول سلاح الردع إلى أزمة معيشية خانقة تهدد الاستقرار الداخلي.
فاتورة الانتحار الاقتصادي
ولوضع مبلغ 435 مليون دولار في سياقه، فهو يعادل تقريباً الإيرادات السنوية لشركة تكنولوجيا صغيرة إلى متوسطة الحجم، أما من الناحية الدفاعية، فيمكن للمبلغ ذاته تمويل شراء نحو 4 طائرات مقاتلة من طراز "داسو رافال".
وهذا ليس سوى التأثير السطحي؛ فبعيداً عن الضربة المباشرة للصادرات التي أشارت إليها التقارير الأخيرة، تشير مجموعة أعمق من البيانات إلى إجهاد هيكلي يتزايد داخل النظام الإيراني، وهو ما يهدد بتقويض سنوات من التقدم الاقتصادي. وتأتي الصدمة الأكثر وضوحاً من قطاعي النفط والبتروكيماويات، وهما العمود الفقري للدولة الإيرانية.
ووفقاً لـ "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، فإن النظام يتركز بشكل كبير حول جزيرة "خرج"، التي يتدفق عبرها أكثر من 90% من صادرات إيران البالغة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يخلق نقطة ضعف حرجة.
وعند افتراض سعر 87 دولاراً للبرميل في زمن الحرب، فإن أي اضطراب مستمر يترجم إلى خسارة فورية تبلغ حوالي 276 مليون دولار يومياً.
وفي الوقت نفسه، يواجه إنتاج البتروكيماويات ضغطاً موازياً؛ ومع امتلاء مراكز التخزين القريبة من "عسلوية" (وهي مدينة ساحلية تقع جنوب إيران وتُلقب بعاصمة الغاز الإيراني) وتقييد طرق التصدير، يتوقف فعلياً تدفق البتروكيماويات الإيراني السنوي البالغ نحو 15 مليار دولار.
كابوس الإعمار والديون
لكن الصادرات ليست سوى جزء من القصة؛ فالمخاوف الأكبر تتعلق بما يصفه الاقتصاديون بـ "مشكلة المخزون"، وهي الأضرار المتراكمة عبر القاعدة الصناعية الأوسع. وتشير تقييمات مسربة منسوبة إلى البنك المركزي الإيراني إلى أن أضرار البنية التحتية الناجمة عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية الدقيقة قد وصلت بالفعل إلى حوالي 1.4 مليار دولار في الأسبوع الأول وحده.
وبالنظر إلى المستقبل، يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن تكاليف إعادة الإعمار قد تتجاوز 600 مليار دولار على مدى الـ 15 عاماً القادمة. ويتفاقم هذا العبء طويل الأمد مع توقعات بارتفاع التضخم نحو 180% وزيادة البطالة بشكل حاد مع تباطؤ المصانع أو إغلاقها بسبب نقص الطاقة والمدخلات.
وللحفاظ على تدفق النفط، اعتمدت طهران بشكل متزايد على ما يسمى بـ "أسطول الأشباح"، وهو شبكة من الناقلات المتقادمة التي تعتمد على عمليات النقل من سفينة إلى أخرى وتعطيل أنظمة التتبع. لكن حتى هذا الالتفاف له ثمن؛ حيث تُجبر إيران على بيع النفط الخام بخصومات تتراوح بين 12 إلى 20 دولاراً للبرميل دون سعر "برنت" لجذب المشترين المستعدين للمخاطرة بالعقوبات الثانوية.
انفجار الأزمة المعيشية
وعلاوة على ذلك، فإن صيانة هذه الشبكة الخفية تضيف حسب التقارير نحو 12 مليون دولار من التكاليف التشغيلية اليومية. ورغم امتلاك إيران لاحتياطي عائم يبلغ نحو 154 مليون برميل مخزنة خارج الخليج -مما يوفر وسادة مؤقتة لمدة 100 يوم تقريباً- إلا أنه يظل حاجزاً محدوداً لا توجد وسيلة سهلة لتجديده طالما ظل المضيق تحت الضغط.
وفي النهاية، لم يعد الإجهاد محصوراً في جداول الطاقة أو سجلات الدولة، بل امتد ليتغلغل في الحياة اليومية. ومع انزلاق الريال إلى مستويات قياسية منخفضة بلغت حوالي 850,000 مقابل الدولار الأمريكي في الأسواق غير الرسمية، ارتفعت تكاليف الأساسيات مثل الغذاء والدواء بشكل كبير. ويجد النظام نفسه الآن في ضائقة صعبة، مجبراً على الاستمرار في تقديم إعانات ضخمة للوقود والخبز لمنع الاضطرابات الاجتماعية، حتى وهو يمتص خسائر تُقدر بنحو 472 مليون دولار يومياً من الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالحرب.
ويعتمد أمل طهران الاستراتيجي جزئياً على محطة "جاسك" خارج المضيق، ولكن مع قدرتها المحدودة وتعرضها للاضطراب المحتمل، فإنها تظل "صمام ضغط" أكثر من كونها طريق هروب كاملاً من العاصفة الاقتصادية.
















0 تعليق