تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تنعقد واحدة من أخطر وأهم جولات التفاوض في تاريخ الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في لحظة إقليمية مشتعلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة.
لا تأتي هذه المفاوضات في سياق طبيعي، بل تعقد بينما لا تزال الصواريخ تشق سماء المنطقة، ويعاني مضيق هرمز من شلل شبه كامل، في وقتٍ تواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان إعادة تشكيل معادلات القوة بوتيرة متسارعة.
الرهان هذه المرة لا يقتصر على وقف حرب، بل يمتد إلى إعادة صياغة توازنات إقليمية كاملة. وتجري هذه المحادثات بوساطة باكستانية–مصرية–تركية، ومن دون سقف زمني محدد، وفي ظل غياب وضوح كامل لبنود التفاوض، حيث يتمسك كل طرف بشروطه وأجندته الخاصة، ما يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي.
ورغم ذلك، تحمل هذه الجولة وعودًا بإنهاء نزاع دمر بنية الشرق الأوسط وأعاد رسم خريطته السياسية والأمنية، لكنها في الوقت ذاته محفوفة بتعقيدات تجعل من الوصول إلى تسوية شاملة مهمة بالغة الصعوبة.
ورغم إعلان وقف إطلاق نار بين واشنطن وطهران، فإن هذا الهدوء يبدو هشًا إلى حد بعيد، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وتباين الرؤى بشأن شروط التفاوض.
ومع ذلك، تصر إسلام آباد على المضي قدمًا في استضافة هذه الجولة، سعيًا لتكريس دورها كوسيط قادر على جمع خصوم تاريخيين على طاولة واحدة.
في جوهر الأزمة، يبرز سؤال: هل نحن أمام حرب أمريكية-إيرانية، أم صراع إسرائيلي-إيراني تديره واشنطن سياسيًا؟
رغم أن إسرائيل ليست طرفًا رسميًا في المفاوضات، فإنها تبقى لاعبًا محوريًا يؤثر بشكل مباشر على مسار الأحداث، سواء عبر عملياتها العسكرية في لبنان أو من خلال ضغوطها السياسية على الإدارة الأمريكية.
هذا الغياب الرسمي يقابله حضور فعلي، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تفاوض جزئيًا نيابة عن إسرائيل، أو على الأقل تضع مصالحها الأمنية كعامل حاسم في أي تسوية محتملة.
وفي هذا السياق، تلقي مفاوضات إسلام آباد بظلالها على المشهد الإقليمي من تل أبيب إلى بيروت، حيث تتصاعد المخاوف الإسرائيلية من مخرجات قد لا تتوافق مع أهدافها، مقابل حالة ترقب لبنانية حذرة في ظل استمرار القصف والخسائر البشرية.
في المقابل، تدخل طهران هذه المفاوضات من موقع مزدوج،دبلوماسي وعسكري في آنٍ واحد. فقد أكد مقر "خاتم الأنبياء"أن القوات الإيرانية في حالة تأهب قصوى، وأن “الأيدي على الزناد”، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض لا يعني التخلي عن خيارات القوة.
كما وضعت إيران شروطًا واضحة قبل المضي قدمًا، أبرزها وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن أصولها المالية المجمدة، وهو ما أكده رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، بما يعكس سعي طهران لتحقيق مكاسب ملموسة قبل تقديم أي تنازلات.
على الجانب الآخر، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موقف معقد، إذ تشير التقديرات إلى أنه لا يرى في وقف إطلاق النار مصلحة سياسية له في الوقت الراهن، خاصة في ظل غياب إنجازات يمكن تسويقها للجمهور الإسرائيلي.
لذلك، ينظر إلى التصعيد في لبنان كأحد أوراق الضغط التي يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل مسار الصراع بما يخدم بقاءه السياسي.
يبقى الملف اللبناني أحد أبرز التحديات أمام تسوية.استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، وما يرافقها من خسائر بشرية وتدمير للبنية التحتية، لا يهدد فقط الاستقرار اللبناني، بل يعقد أيضًا أي محاولة لفرض تهدئة إقليمية شاملة.
وقد أدانت باكستان بشدة هذه الهجمات، محذره من أنها قد تعرقل مسار المفاوضات، فيما دعا رئيس وزرائها المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف التصعيد، مؤكدًا أن ما يجري في لبنان جزء لا يتجزأ من سياق هذه المفاوضات.
من الجانب الأمريكي، تحرك بالفعل وفد التفاوض إلى باكستان، ويقوده نائب الرئيس جيه دي فانس، بمشاركة المبعوثين الخاصين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في إشارة إلى ثقل سياسي واضح ورغبة في تحقيق اختراق دبلوماسي.
وأعرب فانس، خلال توجهه إلى المفاوضات، عن تفاؤله بإمكانية إحراز تقدم، قائلًا: «سنحاول خوض مفاوضات إيجابية»، مضيفًا: «إذا كان الإيرانيون مستعدين للتفاوض بحسن نية، فنحن بالتأكيد مستعدون لمد اليد، أما إذا حاولوا التلاعب بنا، فسيجدون أن الفريق المفاوض لن يكون متساهلًا ».
ويعكس هذا التصريح مزيجًا من الانفتاح الدبلوماسي ووضع خطوط حمراء واضحة، بما يشير إلى أن واشنطن تتعامل مع المفاوضات بمنطق اختبار النوايا بقدر ما هو سعي للتوصل إلى اتفاق.
أما الجانب الإيراني،تشير المعطيات إلى أنه لم يعلن حتى الآن عن تحرك الوفد رسميًا نحو باكستان، رغم تأكيد تشكيله مسبقًا، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب شخصيات بارزة من الحرس الثوري، ما يعكس تداخل القرارين السياسي والعسكري في عملية التفاوض، وسط استمرار التنسيق مع الوسطاء الإقليميين، ومن بينهم مصر وتركيا.
لا يمكن فهم هذه المفاوضات بمعزل عن تاريخ طويل من التوتر بين البلدين، بدأ بأزمة الرهائن عام 1979، وصولًا إلى اتفاق الجزائر عام 1981، ثم الاتفاق النووي عام 2015 الذي مثّل ذروة التقارب قبل أن ينهار بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب منه عام 2018، لتعود العلاقات إلى دائرة التصعيد والعقوبات.
ومنذ ذلك الحين، تتأرجح العلاقة بين محاولات إحياء الاتفاق النووي وفشلها، كما حدث في مفاوضات فيينا خلال إدارة جو بايدن، ما يعكس حالة مزمنة من انعدام الثقة بين الطرفين.
لا تبدو مفاوضات إسلام آباد مجرد محاولة لوقف إطلاق النار، بل اختبارًا حقيقيًا لإرادة القوى الكبرى في كبح حافة الانفجار، مفاوضات تاريخية بين واشنطن وطهران تحت ظلال الحرب… هل تولد التسوية من قلب النار؟ فإما أن تتحول هذه الطاولة إلى نقطة تحول تاريخية تنهي واحدة من أعقد صراعات العصر، أو تسقط تحت وطأة الحسابات الضيقة لتفتح أبواب المنطقة على سيناريو أكثر قتامة.
وبينما تتقاطع الصواريخ مع الكلمات، وتدار المفاوضات على وقع المدافع، يبقى السؤال: هل تملك السياسة ما يكفي من القوة لتنتصر على الحرب… أم أن الشرق الأوسط مقبل على فصل أكثر عنفا لم يكتب بعد؟















0 تعليق