في قلب العواصف التي تضرب أركان النظام الإيراني، برز اسم أحمد وحيدي كشخصية محورية تمسك بخيوط القرار في لحظة تاريخية فارقة. فبينما كانت الانفجارات تهز العاصمة وتطيح برؤوس القيادة التقليدية، كان وحيدي يتحرك في الظل، ليصبح فعلياً الرجل الأول والمسؤول عن رسم مسارات القضايا الكبرى في البلاد. هذا التحول الدراماتيكي جاء في وقت حساس للغاية، حيث غابت الوجوه المألوفة وظهرت قيادة جديدة تماماً.
حسب تقرير لدوائر المتابعة الأمنية والتحليلية، فإن التحول في هيكل السلطة الإيرانية بدأ يتبلور بشكل واضح عقب إصابة مجتبى خامنئي وغموض وضعه الصحي. هذا الغموض فتح الباب أمام صعود قيادات عسكرية من الصف الثاني لتصدر المشهد، وعلى رأسهم وحيدي الذي وجد نفسه فجأة في قمة الهرم. ورغم ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، إلا أن الرجل اختار استراتيجية الصمت والتواري عن الأنظار بشكل أثار تساؤلات عديدة.
صعود تاريخي في زمن الانهيار والحروب
لقد شهدت بداية هجمات الثامن والعشرين من فبراير الماضي تحولاً جذرياً في مسار الدولة الإيرانية، خاصة بعد مقتل المرشد علي خامنئي. كما أدى مقتل القائد السابق للحرس الثوري محمد باكبور في تلك الهجمات إلى فراغ قيادي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وفي خضم هذا الانهيار الجزئي للهيكل العسكري، تم اختيار أحمد وحيدي ليقود الحرس الثوري في ظروف غير مسبوقة وتاريخية.
كان تعيين وحيدي في هذا المنصب خروجاً عن كافة التقاليد المتبعة داخل النظام، إذ تم اختياره من قبل مجموعة من القادة العسكريين. وللمرة الأولى، جرى تعيين قائد عام للحرس الثوري قبل تسمية مرشد جديد للبلاد، مما عكس حالة الارتباك والضرورة القصوى لضبط الأمن. ومع ذلك، وبدلاً من الظهور لطمأنة القواعد الشعبية والعسكرية، اختفى وحيدي تماماً من المشهد العام، مما زاد من حدة التكهنات.
طوال أربعين يوماً من القتال المستمر والعمليات العسكرية العنيفة، لم تظهر للرجل أي صورة فوتوغرافية أو مقطع فيديو يوثق تواجده الميداني. كان النشاط الوحيد المسجل له هو رسالة تعزية مقتضبة أصدرها في منتصف شهر مارس الماضي، عقب مقتل رئيس منظمة الباسيج. هذه الرسالة كانت الإشارة الوحيدة على أنه لا يزال يمارس مهامه، قبل أن يغرق مجدداً في صمت كامل لم يكسره أي ظهور رسمي.
تاريخ حافل في أروقة الاستخبارات والعمليات
يعد هذا الغياب مثيراً للدهشة بالنظر إلى السيرة الذاتية الحافلة التي يمتلكها أحمد وحيدي كأحد أبرز العقول الأمنية والعسكرية في النظام. فالرجل يجمع بين التأهيل الأكاديمي الرفيع في الهندسة والدراسات الاستراتيجية، وبين الخبرة الميدانية الطويلة التي بدأت منذ الأيام الأولى للثورة. لقد كان وحيدي من الجيل المؤسس للحرس الثوري، وشغل مناصب حساسة مكنته من الاطلاع على أدق تفاصيل الجهاز الأمني الإيراني منذ الثمانينات.
تولى وحيدي في أواخر الثمانينات قيادة فيلق القدس، وهو الجناح المسؤول عن العمليات الخارجية، وظل في هذا المنصب لسنوات طويلة. خلال تلك الحقبة، نجح في تحويل الفيلق إلى جهاز عسكري مستقل يتمتع بنفوذ واسع وقدرات تشغيلية عابرة للحدود. وتحت إشرافه، ترسخت شبكة علاقات النظام الإيراني في دول مثل لبنان وسوريا، مما جعل منه مهندساً حقيقياً للنفوذ الإقليمي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وتوازناتها المعقدة.
ارتبط اسم وحيدي بملفات دولية شائكة جعلته ملاحقاً من قبل السلطات القضائية العالمية لسنوات طويلة. ومن أبرز تلك الملفات اتهامه بالتخطيط لتفجير المركز اليهودي في الأرجنتين عام 1994، وهو الهجوم الذي أوقع عشرات الضحايا المدنيين. وبسبب هذه القضية، لا يزال الإنتربول يدرج اسمه ضمن القائمة الحمراء، وتطالب الحكومة الأرجنتينية باستمرار بضرورة اعتقاله وتقديمه للمحاكمة الدولية، مما حد من تحركاته الخارجية العلنية بشكل كبير.
مهندس القدرات الصاروخية وإدارة الأزمات الداخلية
انتقل وحيدي لاحقاً ليشغل مناصب وزارية رفيعة، حيث تولى حقيبة الدفاع في حكومة محمود أحمدي نجاد، وهي فترة شهدت طفرة كبيرة. خلال عمله وزيراً للدفاع، ركز أحمد وحيدي جهوده على تطوير البرامج الصاروخية الإيرانية وتوسيع قاعدة الصناعات الدفاعية المحلية بشكل لافت. كما ساهم في تعزيز التعاون العسكري مع الحلفاء الإقليميين، وتقديم الدعم الفني واللوجستي للجماعات المرتبطة بطهران في غزة ولبنان ومناطق النزاع الأخرى.
لم تقتصر أدوار وحيدي على الجانب العسكري الخارجي، بل امتدت لتشمل إدارة الأمن الداخلي في أصعب الظروف التي واجهها النظام. فعندما تولى وزارة الداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي، كان هو المسؤول الأول عن التعامل مع موجة الاحتجاجات الواسعة عام 2022. أظهر وحيدي خلال تلك الأزمة حزماً كبيراً في إدارة القوات الأمنية، مما عزز مكانته كثقة للمرشد وأحد الركائز الأساسية التي يعتمد عليها النظام لضمان بقائه.
قبيل اندلاع الحرب الحالية بفترة وجيزة، تم تعيين وحيدي نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، وهو موقع استراتيجي بامتياز. هذا التعيين كان بمثابة تمهيد لمنحه دوراً أكبر في إدارة البنية العسكرية وقت الأزمات الكبرى والحروب الشاملة. ومع سقوط القادة تباعاً في ساحات المعارك، انتقل هذا الدور إليه بالكامل، ليصبح الشخص المنوط به توجيه القرارات الأمنية والعسكرية في لحظات المصير.
فراغ السلطة وتعاظم نفوذ القائد الصامت
تزايد الغموض المحيط بوضع مجتبى خامنئي أضاف طبقات جديدة من التعقيد على المشهد السياسي والعسكري المتأزم في طهران. فالتقارير التي تتحدث عن إصابته البالغة في هجوم فبراير الماضي، تشير إلى وجود صراع خفي على خلافة المرشد الراحل. وفي ظل غياب الشخصيات المؤثرة مثل علي لاريجاني وإسماعيل خطيب وعلي شمخاني الذين قتلوا في الحرب، برز أحمد وحيدي كقوة وحيدة قادرة على ضبط إيقاع الدولة المنهكة.
يرى محللون مقربون من الأجهزة الأمنية أن نفوذ وحيدي في الشهر الأخير قد تجاوز نفوذ شخصيات سياسية بارزة مثل محمد باقر قاليباف. فالقدرة على التحكم في مفاصل الحرس الثوري وتوجيه العمليات العسكرية تمنح وحيدي ميزة استراتيجية في أي ترتيبات مستقبلية لشكل النظام. ورغم هذا النفوذ الهائل، يظل التساؤل قائماً حول الأسباب الحقيقية التي تدفع قائداً بهذا الثقل للابتعاد الكلي عن الأضواء والمنصات الإعلامية.
إن موقع وحيدي الجديد جعله هدفاً رئيسياً في قائمة الاستهدافات خلال الحرب الجارية، خاصة مع الحديث عن ضربات دولية محتملة. فالهجمات التي طالت قيادات عليا، مثل قائد القوات البحرية علي رضا تنكسيري، أثبتت أن الدوائر العليا في الحرس ليست بمنأى عن الخطر. هذا الواقع الأمني القاسي جعل من الاختباء ضرورة قصوى للحفاظ على ما تبقى من هيكل القيادة العسكرية وتجنب ضربات قد تؤدي لليأس الكامل.
إدارة العمليات من خلف الستار ومصير النظام
يبدو أن قرار تواري وحيدي عن الأنظار هو جزء من استراتيجية أمنية معقدة تهدف إلى حماية رأس الهرم القيادي في ظروف الحرب. ففي ظل التفوق التقني والاستخباراتي للخصوم، يصبح الظهور العلني بمثابة مخاطرة غير محسوبة قد تنهي آخر آمال النظام في الصمود. لذا، يفضل أحمد وحيدي إدارة العمليات من غرف عمليات سرية ومحصنة، بعيداً عن أعين الرصد الطائرات المسيرة ووسائل التجسس الحديثة التي تملأ سماء المنطقة.
تتجه الأنظار الآن نحو المستقبل، وما إذا كان وقف إطلاق النار المحتمل سيخرج وحيدي من مخبئه ليواجه العالم بصورة مباشرة. فالمرحلة الانتقالية التي تمر بها إيران تتطلب وجود قائد قوي وعلني لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتهدئة القوات العسكرية المشتتة. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً هو مدى قدرة وحيدي على التحول من رجل استخبارات يعمل في الظل إلى زعيم سياسي يقود البلاد علانية.
إن قصة أحمد وحيدي في هذه الحرب تعكس حالة النظام الإيراني الذي يصارع من أجل البقاء في ظل غياب رموزه التاريخية. فهو اليوم القائد الذي يمتلك الصلاحيات المطلقة، لكنه مضطر للعيش كشبح يخشى الضوء خوفاً من المصير الذي لاقاه رفاقه. وبين الصمت المطبق والقرارات المصيرية، تظل الأنظار معلقة بما ستسفر عنه الأيام القادمة، وهل سينجح وحيدي في العبور بسفينة النظام إلى بر الأمان أم سيظل حبيس الغموض.
















0 تعليق