قال د. ماجد عزت إسرائيل المتحدث الإعلامي لإيبارشية شمال ألمانيا إن يوم خميس العهد يُعد من أعمق أيام أسبوع الآلام من الناحية التاريخية والليتورجية واللاهوتية، إذ تتقاطع فيه محاور التدبير الخلاصي في صورة متكاملة، تبدأ بإعداد الفصح، وتمر بغسل الأرجل، وتبلغ ذروتها في تأسيس سر الإفخارستيا، وتنتهي بخروج يهوذا ليبدأ تنفيذ خيانته.
إعداد الفصح.. من الرمز إلى الكمال
أوضح "إسرائيل" أن أحداث هذا اليوم تبدأ بإعداد الفصح، حيث أرسل السيد المسيح اثنين من تلاميذه ليهيئا موضع تناول الفصح، كما ورد في الأناجيل، ويرتبط هذا المشهد بالفصح اليهودي، الذي يُجسد ذكرى الخروج من مصر وعبور الملاك المهلك عن بيوت بني إسرائيل، وهو ما يعكس البعد الرمزي لمعنى "العبور".
وأشار إلى أن هذا البعد لم يكن منفصلًا عن خميس العهد، بل مثّل تمهيدًا لانتقال الفصح من رمزيته القديمة إلى كماله في شخص المسيح، باعتباره الحمل الحقيقي الذي يرفع خطية العالم.
طقوس الفصح.. إشارات إلى المسيح
وأضاف أن الفصح اليهودي تضمن عناصر محددة مثل ذبح الخروف، ورش الدم، وشواء الخروف دون كسر عظم، وتناوله مع الفطير والأعشاب المُرّة، ولفت إلى أن هذه التفاصيل تحمل دلالات رمزية عميقة، تشير إلى تحقيقها الكامل في شخص المسيح، الذي صار الذبيحة الحقيقية للخلاص.
غسل الأرجل.. التواضع والتطهير
وأكد أن مشهد غسل الأرجل يُعد من أكثر لحظات خميس العهد تأثيرًا، إذ لم يكن مجرد نموذج أخلاقي للتواضع، بل إعلانًا بأن الشركة مع المسيح تستلزم التطهير المستمر.
وأوضح أن طقس "اللقان" في هذا اليوم لا يُفهم كاحتفال رمزي فقط، بل كفعل روحي يربط بين التواضع والتوبة والاستعداد للتناول من المائدة المقدسة.
الإفخارستيا.. تأسيس العهد الجديد
وأشار إلى أن ذروة هذا اليوم تتجلى في تأسيس سر الإفخارستيا، عندما أخذ المسيح الخبز وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وكذلك الكأس، مُعلنًا العهد الجديد بدمه.
وقال إن الفصح هنا يتحول من ذكرى تاريخية إلى حضور خلاصي حي، حيث قدّم المسيح ذاته طعامًا للحياة الأبدية، مؤكدًا أن الإفخارستيا ليست مجرد تذكار، بل امتداد سرائري حيّ لذبيحة الصليب في حياة الكنيسة والمؤمنين.
بين الحب والخيانة
وفي المقابل، لفت "إسرائيل" إلى أن هذا اليوم يكشف أيضًا الوجه المظلم للحرية الإنسانية، في خروج يهوذا من حضرة العشاء ليُتم خيانته، موضحًا أن خميس العهد يقف عند مفترق عميق بين الحب الإلهي والخيانة البشرية.
إرادة حرة نحو الصليب
واختتم حديثه مؤكدًا أن المسيح كان عالمًا بكل ما سيحدث، ولم يدخل الآلام مُضطرًا، بل بإرادته الحرة، ما يُبرز أن العشاء الأخير لم يكن مجرد مقدمة تاريخية، بل إعلانًا صريحًا عن ذبيحة تُقدَّم بمحبة.
وأشار إلى أن خميس العهد يجمع بين أبعاد متعددة؛ تاريخية وطقسية وخلاصية وأخلاقية ولاهوتية، ليبقى من أكثر أيام أسبوع الآلام كثافة في المعنى، إذ يكشف أن الطريق إلى الصليب مرّ عبر المائدة، والتطهير، والعهد، والبذل، واختبار الإنسان الداخلي.














0 تعليق