أكد أحمد نورالدين، عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أن لقاء القاهرة الذي عقد أمس وضم رئيس وزراء المغرب عزيز أخنوش ونظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي وانعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق المشتركة جاء في توقيت مهم في ظل التطورات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح نور الدين في حوار خاص لـ “الدستور” أن التقارب المغربي المصري دعامتان رئيسيتان في تعزيز مناعة النظام العربي برمته وإلى نص الحوار:
كيف ترى أهمية لقاء القاهرة الذي ضم رئيسي وزراء المغرب ومصر وانعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق المشتركة؟
أهمية اللقاء تستند إلى الظرفية الجيوسياسية التي ينعقد فيها، ارتباطًا بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتداعياتها على الأمن القومي العربي الذي يعيش في وضعية فقدان التوازن الاستراتيجي منذ بداية ما سمي بالربيع العربي حيث دخلت نصف الدول العربية في حالة من الفوضى وحروب شبه أهلية، مع تدخل واضح للأيدي الأجنبية عبر فاعلين غير نظاميين، واتّخذ التدخل الأجنبي أشكالًا غير مسبوقة فيما أصبح يعرف بالحروب غير المتماثلة والحروب الهجينة.
وكل هذه العوامل تسرع التقارب المغربي المصري باعتبارهما دعامتان رئيسيتان في تعزيز مناعة النظام العربي برمته. طبعًا هذه المعطيات الجيوسياسية لا تلغي العوامل الاخرى التي تتعلق حصريًّا بالقاهرة والرباط في مسار التكامل والتعاون الشامل.
برأيك ما أبرز الاتفاقيات التي تم توقيعها بين البلدين خلال اللقاء؟
يتعلق الأمر بعشرين اتفاقية وبروتوكول تترجم في نفس الآن عمق العلاقات التاريخية بين الرباط والقاهرة وتطلعهما للمستقبل المشترك في إطار من التكامل بنَفَس استراتيجي يستحضر تحديات البلدين الاقتصادية والاجتماعية ويستحضر مسؤولياتهما تجاه النظام الإقليمي العربي الذي هو في أمس الحاجة إلى نموذج عملي ناجح في التعاون والشراكة من داخل البيت العربي.
فالمنطقة العربية تعتبر من أضعف التجمعات الإقليمية من حيث المبادلات التجارية البينية، وهذا يعتبر واحدًا من اكبر التحديات على المدى المنظور، وهذا ما يفسر طموح مصر والمغرب لمضاعفة الصادرات والاستثمارات في الاتجاهين في أفق 2030 لتصل إلى حوالي 7 مليار دولار بدل 1.3 مليار حاليا كحجم مبادلات تجارية.
وبإمكان البلدين ان يحققا هذا الرقم بل وأن يشكلا قاطرة للمبادلات التجارية العربية. وهذا يتطلب تجاوز بعض المطبات التقنية التي برزت للسطح أثناء تنفيذ اتفاقية اغادير للتبادل التجاري الحر. يجب أن نغلب المصالح الكبرى ذات البعد الاستراتيجي على بعض الإجراءات التي لا تخدم الرؤية الاستراتيجية للبلدين وللمنطقة ككل.
ومن خلال قائمة الوزراء المشاركين في هذا الاجتماع الأول من نوعه، يظهر جليًا أنّ المجالات التي تحظى بالأولوية هي الصناعة والتجارة والاستثمارات، بالإضافة إلى قطاعات أخرى لا تقلّ أهمية مثل الزراعة والريّ والثقافة والشباب والرياضة. وتحاول الحكومتان إزالة كل العراقيل الإدارية واللوجستية من خلال الربط عبر خط للملاحة البحرية وتطوير سلاسل الإمداد بين موانئ البلدين.
ولا بأس من التذكير بأنّ ملف الريّ ذو صبغة استراتيجية بامتياز لا من حيث أهمية الماء في ظرفية دولية تتسم بالتقلبات المناخية والانحباس الحراري، ولا من حيث تداخل التحكم في منابع الماء والأنهار مع الأمن القومي للدول ومصر في مقدمتها.
كيف يسهم التنسيق بين مصر والمغرب في حل أزمات المنطقة؟
النظام الإقليمي العربي يعيش واحدة من أحلك الفترات في تاريخه المعاصر، حيث توجد أغلب الدول العربية في حالة من عدم الاستقرار تصل احيانًا إلى الفوضى وانفراط عقد السلطة المركزية، وهناك حالات أقرب إلى توصيف الحرب الأهلية وهناك حالات أخرى تعيش على شفى الانهيار الاقتصادي، ومع الأسف كانت دول الخليج تعيش في منأى عن هذه التهديدات رغم ظلال الأزمة اليمنية، ولكن ما أقدمت عليه إيران من عدوان بالصواريخ والمسيرات استهدف المنشآت الاقتصادية الحيوية لكل دول الخليج بدون استثناء وإغلاق مضيق هرمز، أدخل هذه الدول هي الأخرى في مرحلة من اللايقين والتي قد تمتد تداعياتها لسنوات طويلة، هذا إذا لم تتطور الأحداث إلى ما هو أسوأ.
أمام هذه الوضعية الكارثية تبرز مصر والمغرب كقلعتين وحِصْنين أخيرين يمكن أن يُشكّلا منطلقًا لإعادة بناء النظام الإقليمي العربي ولكن شريطة أن يستفيدا من الدروس الحالية والسابقة التي أدت إلى حالة فقدان التوازن الاستراتيجي التي تعيشها المنطقة العربية في الوقت الراهن، وهي وليدة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية أحيانًا والتكتيكية أحيانا كثيرة.
ما أبرز المجالات التي يمكن التعاون بشأنها بين مصر والمغرب؟
في تقديري المتواضع أول ما يجب الانتباه إليه من هذه الأخطاء في التعاون العربي هو تجاوز التعاون الذي اتخذ شكلًا عاطفيًا أكثر منه عقلانيًا من خلال الاجتماعات والبيانات والاتفاقيات الشكلية التي أثّثت الفضاء العربي منذ نشأة الجامعة العربية دون ان يكون لها مضمون ملموس اقتصاديًا.
وبينما شاهدنا أنّ كل التجمعات الإقليمية الناجحة عبر العالم هي التجمعات التي تنبني على تعزيز المصالح الاقتصادية، فهي القاعدة الصلبة لبناء صرح التعاون المشترك، وهي الرابطة التي تحصن هذا التعاون من التفكك، ولنا في السوق الأوربية خير مثال رغم كلما يفصل بين دوله من لغات وأعراق مختلفة وما كان بينها من حروب طاحنة.
قناعتي أنّ مصر والمغرب أمام مسؤولية تاريخية لتحصين مستقبل شعبيهما وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام الإقليمي العربي المنهار، ولكن بشرط الانتقال من العاطفة أو الطوباوية في العلاقات الدولية إلى العقلانية والواقعية من خلال مشاريع عملية للتعاون والشراكة في اتجاه تحقيق السيادة الصناعية والتكنولوجية والدفاعية والغذائية، اليوم وليس غدًا، لأن غدًا سيكون الوقت متأخرًا جدًا، وأكيد أنّ مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
كيف ترى موقف مصر بتجديد دعم وحدة التراب المغربي ورفض أي محاولات للانفصال؟
أعتقد أنّ الأجوبة السابقة المرتبطة بالتحديات الجيوسياسية تغنيني عن الإجابة عن هذا السؤال حول دعم مصر للوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على إقليم الصحراء الغربية المغربية، ولكن مع ذلك هناك بعض النقاط يجب التركيز عليها لفهم هذا الملف:
أولًا، تعتبر عقيدة الدولة المصرية منذ بداية القرن العشرين مبنية على الدفاع عن الأمن القومي العربي وتدعو إلى الوحدة العربية، ومن هذا المنطلق لا يمكنها أن تشارك في مؤامرة تستهدف وحدة بلد عربي أو تستهدف سلامة أراضيه.
ثانيًا، الجميع يعلم أن المشروع الانفصالي في الصحراء الغربية المغربية وإن كان اليوم تحت رعاية دولة عربية جارة هي الجزائر، إلاّ أنه في المنطلق هو مشروع استعماري تكالبت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية خلال مؤتمر برلين 1884 ثم مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 على تقسيم أراضي ما كان يسمى بالإمبراطورية الشريفة وهي التسمية المتعارف عليها آنذاك للمملكة المغربية، وهو ما حدث فعلًا حيث تم اقتطاع أجزاء من المغرب ووضعها تحت الوصاية الإسبانية في إقليم الريف شمالًا وإقليم الصحراء جنوبًا، بينما وضعت باقي الأقاليم تحت الوصاية الفرنسية، بعد تفاهمات مع باقي الدول الأوروبية خاص المانيا وبريطانيا في إطار تنازلات متبادلة عن مناطق أخرى في إفريقيا، وكأنها تتقاسم قطعة حلوى مع الأسف. ومن هذا المنطلق لا يمكن لمصر ولا لأي بلد عربي إلاّ أن يقف ضد أي مؤامرة استعمارية لتقسيم بلد عربي آخر.
ثالثًا، استمرار هذا النزاع هو هدم وتقويض للأمن القومي العربي في خاصرته الغربية وقد يشكل في أي لحظة فتيلًا لحرب إقليمية بين المغرب والجزائر لولا الصبر الاستراتيجي الذي يتبناه المغرب منذ نصف قرن أمام احتضان الجزائر لميليشيات "البوليزاريو" الانفصالية التي تهاجم المغرب انطلاقًا من الأراضي الجزائرية وبتمويل وتسليح جزائري. وهذا الصبر الاستراتيجي هو ما فوّت الفرصة على القوى الدولية المتربصة.
رابعًا، مصر حاولت مرارًا الوساطة بين المغرب والجزائر ولكن هذه الأخيرة كانت دائمًا ترفض الوساطة، وآخر محاولة كانت خلال القمة العربية في الجزائر سنة 2022 حيث رفضت الجزائر من خلال بيان رسمي للخارجية وتصريح رسمي للرئيس الجزائري إدراج نقطة المصالحة مع المغرب ضمن جدول أعمال القمة العربية التي كانت تنعقد تحت شعار "لمّ الشمل العربي"، وهذه المفارقة كفيلة لتستخلص مصر أين يكمن الخلل وفي صفّ من يجب أن تقف.










0 تعليق