منذ فترة طويلة بلع جيلى أكذوبة أمريكية ثلاثية.. صدّرت السينما الهوليوودية نموذج البطل الخارق لنا عبر عشرات الأفلام.. الأفلام نفسها أيضًا صورت لنا حياة النعيم فى ظلال هوليوود.. مثلما صدقنا أنهم جنة الحريات على الأرض.. هذه الأكاذيب الصغيرة فى عقل صغير تسللت عبر سنوات من الأفلام إلى الصحف والمجلات إلى الكتب إلى ألعاب الأطفال.
لم نكن وحدنا مَن وقع فى فخ الوهم الأمريكى.. العالم كله صدق وهم الدولار الذى لم يكن له أى احتياطيات ذهبية.. لكنه صنع أسطورته بالخديعة.. هكذا بنت أمريكا إمبراطوريتها بالبروباجندا.. والدعاية المزيفة.. بالطبع.. الدعاية وحدها لا تكتب التاريخ.. لكن ضعف الآخرين أيضًا يصنع الأقوياء.. والشرق للأسف ابتلع أسباب سقوطه بعد أن صنعها بنفسه بعد استجابته الغبية لمخططات المنتصرين فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.. الشرق لم يعد شرقًا.. ليس لأنه كان ضعيفًا بالفعل، ولكن لأنه بحكامه ومبدعيه وشيوخه ومعابده صدق أنه ضعيف.. مرت سنوات ليست قليلة لم تخلُ من روح متمردة ترفض الانصياع، وتحررت أرواح وأبدان وبلدان من ذلك الخنوع، ليس لسبب إلا لأنه لم يعد لديها ما تخسره أكثر من ذلك.. نجح مانديلا.. ونجح عبدالناصر.. ونهرو.. وغاندى.. وكثيرون غيرهم فى اختيار جدار الهزيمة والقبول بالموت كملاذ أخير مبرر دينيًا من قادة التنظيمات الدينية العميلة المصنوعة على يد جهابذة الاستخبارات فى مصانع الغرب.. لكن تلك المحاولات المتمردة لم تستطع الصمود طويلًا أمام سيناريوهات تفكيك الحضارات القديمة لصنع حضارة أمريكية بشعة.
مضت السنوات ونحن نصدق أن جيش إسرائيل لا يُهزم.. وأن مع أمريكا الحياة أفضل.. وأن أوراق اللعبة معها.. لكن ذلك تم كسره على يد جيش مصر العظيم.. لكننا ونحن فى عز انتصارنا لم نصدق، وهرول البعض منّا فى ظل خريطة معقدة إلى البحث عن سجادة آمنة فى ظل الحائط الأمريكى.. الأكثر علمًا وحرية وفنًا وتسليحًا.. هكذا صدقنا وشربنا كأس السم حتى آخرها.. نحن أبناء الشرق الذين لم يشهدوا روح حضارتهم إلا فى الكتب التى يدرسونها للحصول على كعك أزرق فى نهاية كل عام.. وربح التجار والسماسرة والخونة المتفرنجون.. اختلطت كل معايير الفهم وسادت لغة الجاز والنفط والريال.. وانتشرت البرانيط جنبًا إلى جنب مع الدقون والجلاليب البيضاء القصيرة من الأسفل.. بالبلدى لبسنا العمة وارتدت نساؤنا الخمار.. وارتضينا بضحكتين فى رغيف حواوشى وسهرة مع مسرحية العيال كبرت فى كل عيد.. وبكيلو سمك ميت فى شم النسيم وإحنا عايزين إيه أكتر من كده.
لم نكن نحلم نحن المواطنين فى الشرق الأوسط التعيس بأكثر من ذلك.. لكنّ دولًا ذات حضارة مثل الصين لم تركن.. خرج التنين الصينى من سباته.. فهم الفولة.. الطفل الذى كان منسيًا فى الشرق التعيس شب عن الطوق.. ورسم ملامح الخريطة السنوات المقبلة.
وهذا فى ظنى هو سر الجنون الأمريكى.. ليست إيران الهدف الأخير.. ولم يكن حلم بنى صهيون وحده.. الوحش الأمريكى وليس بعيدًا عنه ما تيسر من سرديات توراتية قديمة تبحث عن أرض الميعاد.. كله يصب فى طريق واحد يجب أن يقوم ويصعد فى مواجهة طريق الحرير.. القوة الناعمة للشرق لم تعد كذلك.. الاقتصاد الصينى تجاوز حدود الخطر.. صار خطرًا أكبر من إيران.. وهكذا اجتمعت إرادة النتن ياهو.. ومن معه مع جنون التاجر الأمريكى مع عروش مرتعشة، وظنوا أنها اللحظة المناسبة لشل الماكينات الصينية وإجبارها على التوقف بعد الاستيلاء على مصادر الطاقة التى تقوم بتشغيل تلك الماكينات.. إيران ونفط الخليج ونفط فنزويلا هى الطاقة التى تمنح الوجود لماكينة الاقتصاد الصينى.. وهذا هو الهدف.. نفط الخليج وإيران والعراق وفنزويلا، وتحييد روسيا والركوب على رأس أوروبا.
هكذا رأى ترامب.. رامبو.. المرابى اليهودى حفيد الاستعمار القديم حربه الجديدة.. لكن ما حدث من تداعيات الضربة الأولى فى الحرب الجديدة أفقد كل هؤلاء زمامهم.. روح الذى لم يعد له سوى أن يعيش.. هزمت مخططات رامبو.. أخرجته عن العقل.. فهرب الأوروبيون من تبعيته.. لم تستجب إسبانيا ولا إيطاليا ولا فرنسا.. حتى بريطانيا رفضت الانسياق.. سقط الحلف الذى كان يرجوه ترامب.. العرب أيضًا.. لم ينزلقوا إلى الهوة.. لعبت مصر الدور الأخطر -ولا تزال- لتجنب نهاية العرب.. كل الدلائل تشير إلى هزيمة مؤقتة للحلم الصهيونى.. هذه ليست الحرب الأخيرة.. المهاوويس لن يتوقفوا.. ربما تكون الأخيرة فى عهد ترامب.. لكن الصراع الاقتصادى لن يتوقف.. الاقتصاد وحده هو كلمة السر فى الأيام المقبلة.















0 تعليق