جولة «كائن ليلى» بعد قرار إغلاق المحلات

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بصفتى «كائنًا ليليًا» فأنا أعشق القاهرة ليلًا وأحب التجول فى حواريها وشوارعها، والجلوس على مقاهيها وسماع كوكب الشرق الست أم كلثوم أو السيدة فيروز وقليلًا من أحمد شيبة «آه لو لعبت يا زهر»، وتدخين «الشيشة» مع القهوة السادة.. نعم أعشق تلك الوجوه الساهرة والإضاءة الصاخبة فى شوارعنا العامرة وعاصمتنا التى لا تنام.

وفى أول أيام تطبيق القرار «قرار غلق المحال فى التاسعة مساءً»، لم أتعرف على قاهرتى ولم أتخيلها مظلمة، ورغم تلك الإضاءة الخافتة، وبعد «لعن الحروب» التى كانت السبب وأثناء السير، استطعت أن أترك خيالى يقلب فى إيجابيات القرار وسلبياته، فالقرار لا يمكن قراءته فقط باعتباره إجراءً تنظيميًا لضبط الشارع، بل قرارًا متعدد الأبعاد، يحمل فى طياته زوايا اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، بل نفسية أيضًا، وكل زاوية منها تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول ما يكسبه المجتمع وما قد يخسره، والإيجابيات فكرت فيها ولكننى توقفت عند سلبيات القرار، وسأسردها أولًا، وأتمنى أن يضعها السيد الدكتور مصطفى مدبولى فى حسبانه، ويحاول تلافى السلبيات والعمل على الحد منها.

الآثار السلبية لقرار غلق المحال فى التاسعة مساءً لا تظهر فقط فى جانب واحد، بل تمتد عبر مستويات متعددة تمس الاقتصاد، والسلوك الاجتماعى، حتى الحالة النفسية للمواطنين، ويمكن قراءتها بعمق على النحو التالى:

أولًا: التأثير الاقتصادى المباشر على صغار التجار، فكثير من المحال خاصة فى الأحياء الشعبية والمتوسطة يعتمد على «ورديات الليل» كمصدر دخل أساسى، حيث تبدأ حركة البيع الحقيقية بعد غروب الشمس، وتقليص هذه الساعات يعنى ببساطة انخفاض الإيرادات، وقد يدفع البعض إلى تقليص العمالة أو الاستغناء عنها، ما يفتح بابًا لزيادة البطالة غير المعلنة، فالمحال والمقاهى ومعظم الأنشطة كانت تعتمد على «ورديتين»، والآن بعد القرار ستتقلص ساعات العمل، وبالتالى قد يلجأ بعض أصحاب المحلات إلى الاستغناء عن «وردية» لتقليل النفقات، وهذا يعمل ضغطًا على العمالة اليومية. فئات كبيرة مثل «الصبيان» وعمال الخدمات والكافيهات تعتمد على الأجر اليومى أو الإكراميات، وهذه غالبًا ما تكون أعلى فى فترات الليل، فالقرار هنا لا يقلل فقط من ساعات العمل، بل يضرب مصدرًا مهمًا للدخل، ما قد يخلق حالة من الضيق الاجتماعى داخل هذه الفئة.

ثانيًا: قد يؤدى هذا لخلق سوق موازية أو «اقتصاد ظل»، فعندما يتم تقليص وقت العمل الرسمى، قد يلجأ البعض إلى العمل بشكل غير قانونى بعد المواعيد المحددة، سواء عبر فتح جزئى أو نشاط خفى، ما يضعف هيبة القانون ويخلق حالة من الازدواجية بين ما هو معلن وما هو فعلى.

ثالثًا: تراجع الحيوية الاقتصادية للمدن المصرية وعواصم المحافظات، فالمدن الكبرى، خاصة القاهرة، كانت تتميز بنشاطها الممتد ليلًا، ما ينعكس على قطاعات متعددة مثل المطاعم، والمقاهى، والخدمات، وتقليص هذا النشاط قد يؤدى إلى حالة من الركود النسبى، ويؤثر على سلاسل توريد كاملة مرتبطة بالحياة الليلية.

رابعًا: التأثير السلبى على بعض الأنشطة السياحية، فكلنا يعلم أن جزءًا من جاذبية المدن المصرية للسائحين العربى والأجنبى مرتبط بالحياة الليلية، والإغلاق المبكر قد يقلل من الإنفاق السياحى فى المساء، ويؤثر على تجربة الزائر بشكل عام.

خامسًا: زيادة الضغط على ساعات النهار، فمع تقليص ساعات العمل، سيتجه المستهلكون إلى التزاحم فى فترات أقصر، ما يؤدى إلى زحام أكبر فى الشوارع والمحلات، وارتفاع مستوى التوتر بين المواطنين، بدلًا من توزيعه على مدار اليوم، وقد يؤدى هذا إلى عمل ضغظ على الشرطة. ففى الظلام قد تزيد معدلات الجريمة.

سادسًا: التأثير على نمط الحياة الاجتماعية، فالمصريون بطبيعتهم يميلون إلى اللقاءات الليلية، سواء فى المقاهى أو الزيارات العائلية، القرار قد يؤدى إلى تقليص هذه المساحات، ما يضعف الروابط الاجتماعية، أو يدفعها إلى التحول لأشكال أقل تفاعلًا، وقد يؤدى ذلك إلى زيادة عدد المواليد.

سابعًا: احتمالات زيادة العزلة الرقمية، فمع غياب البدائل الترفيهية خارج المنزل، قد يتجه قطاع كبير، خاصة الشباب، إلى قضاء وقت أطول على الإنترنت ومواقع التواصل، ما قد يعمّق العزلة ويؤثر على الصحة النفسية والعلاقات الواقعية.

ثامنًا: شعور بعض الفئات بعدم العدالة، فالقرار العام قد لا يراعى اختلاف طبيعة الأنشطة؛ فهناك أعمال بطبيعتها ليلية وعدم التمييز بينها وبين الأنشطة النهارية قد يخلق إحساسًا بالظلم، ويؤدى إلى تآكل الرضا العام.

تاسعًا: الضغط النفسى وفقدان «مساحة التنفيس»، فالليل بالنسبة لكثيرين ليس مجرد وقت، بل مساحة للراحة والهروب من ضغوط اليوم، وتقليص هذه المساحة قد يزيد من الإحساس بالقيود، خاصة فى بيئة حضرية مزدحمة.

لست ضد القرار الذى فرضته الظروف المحيطة، وكلنا يعرفها ونتمنى أن تنتهى قريبًا، فالمشكلة ليست فى مبدأ التنظيم، بل فى غياب المرونة والتدرج، وعدم وجود بدائل أو تعويضات واضحة للفئات المتضررة، فأى قرار يمس إيقاع حياة مجتمع كامل يحتاج إلى موازنة دقيقة، حتى لا تتحول أهدافه الإيجابية إلى آثار عكسية على الشارع. 

وهناك زوايا أخرى يمكن النظر إليها، هى زاوية «إعادة ضبط الإيقاع اليومى» للمجتمع المصرى. لسنوات طويلة، عاشت المدن المصرية، خاصة القاهرة، على إيقاع ليلى صاخب يمتد إلى ما بعد منتصف الليل. القرار هنا يحاول إعادة تشكيل هذا النمط، ودفع الناس إلى نمط حياة أقرب إلى «النهارية»، ما قد ينعكس إيجابيًا على الصحة العامة، ومستوى الإنتاجية، خاصة فى القطاعات الرسمية التى تبدأ عملها مبكرًا.

زاوية أخرى مهمة هى «تفريغ الشارع»، القرار يقلل من الكثافات المرورية والتجمعات الليلية، ما قد يسهم فى خفض معدلات الحوادث وبعض أشكال الجريمة المرتبطة بالسهر. لكن فى الوقت نفسه، قد يؤدى هذا التفريغ إلى حالة من «الفراغ الاجتماعى»، خاصة لدى الشباب، الذين اعتادوا أن تكون فترات الليل متنفسًا لهم، سواء فى اللقاءات أو الترفيه أو حتى العمل الجزئى.

أيضًا هناك مَن يرى على مستوى الأسرة أن هناك، فهناك تأثيرًا مزدوجًا. من ناحية، قد يسهم القرار فى زيادة الوجود المنزلى، وتقوية الروابط الأسرية، وخلق وقت مشترك بين أفراد الأسرة. لكن من ناحية أخرى، إذا لم يتم استثمار هذا الوقت بشكل إيجابى، فقد يتحول إلى مجرد وجود شكلى، خاصة فى ظل هيمنة الهواتف المحمولة.

ومن الزوايا المهمة أيضًا «الانضباط المجتمعى»، فتطبيق القرار بنجاح يعكس قدرة الدولة على فرض النظام، لكنه فى الوقت نفسه يختبر درجة التزام المواطنين.

القرار- أى قرار- ليس أبيض أو أسود، بل مساحة رمادية واسعة، ونجاحه يتوقف على كيفية تطبيقه، ومرونته، ومدى وجود سياسات موازية تعوض الفئات المتضررة، وتخلق بدائل حقيقية للحياة الاجتماعية والاقتصادية، فالمجتمعات لا تتغير فقط بقرارات تنظيمية، بل بمنظومة متكاملة توازن بين الانضباط واحتياجات الناس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق