أثارت أحكام المحكمة الإدارية العليا بإبطال نتائج انتخابات مجلس النواب فى ٢٩ دائرة انتخابية بمحافظات المرحلة الأولى العديد من التساؤلات عن مدى تأثير هذه الأحكام على الانتخابات ككل، مع فتح باب التساؤل حول إمكانية إلغاء الانتخابات أو إعادتها بالكامل مرة أخرى، خاصة أن هناك ١٩ دائرة أخرى تم إلغاء الانتخابات فيها سابقًا.
ومع انشغال الرأى العام فى مصر بالتساؤل حول تأثير أحكام «الإدارية العليا»، وهل سيتم بناء عليها فتح باب الترشح مرة أخرى فى تلك الدوائر الملغاة نتائجها؟ ومع التساؤل أيضًا حول مدى قانونية مد فترة الانتخابات وتأخر موعد انعقاد مجلس النواب الجديد عن موعده المقرر فى ١١ يناير ٢٠٢٦، وهو موعد انتهاء مدة المجلس الحالى، تواصلت «الدستور» مع عدد من الخبراء الدستوريين وفقهاء القانون للإجابة عن تلك التساؤلات المطروحة بقوة منذ صدور أحكام «الإدارية العليا».
من جهته، أكد طارق خضر، أستاذ النظم السياسية والقانون الدستورى، أن حكم المحكمة الإدارية العليا يُعد حكمًا باتًا وملزمًا للهيئة الوطنية للانتخابات ولجميع الجهات المعنية، مشيرًا إلى أن الهيئة ملتزمة بتنفيذ الحكم، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن الدوائر الملغاة، والتى وصل عددها الآن إلى ٤٩ دائرة.
وأشار إلى أن هناك ١٩ دائرة تم إلغاء الانتخابات فيها سابقًا، وتم تحديد جدول زمنى انتخابى لها بالفعل، فيما يتطلب الأمر من الهيئة الوطنية للانتخابات التحرك سريعًا لإعداد جدول زمنى مستقل لإعادة الانتخاب فى الـ٢٩ دائرة الملغاة نتائجها، موضحًا أن هذه الدوائر ستخضع لإعادة انتخاب مستقلة تمامًا عن الـ١٩ دائرة، لضمان تنظيم العملية الانتخابية بطريقة واضحة ومنفصلة.
وتوقع «خضر» أن تعقد الهيئة الوطنية للانتخابات مؤتمرًا صحفيًا للإعلان عن جدول زمنى لإعادة انتخاب هذه الدوائر، موضحًا أن ذلك يأتى فى إطار تنفيذ حكم المحكمة والإجراءات القانونية المنظمة للانتخابات.
فى السياق ذاته، أشار الفقيه الدستورى صلاح فوزى إلى أن الموقف القانونى والدستورى المتعلق بالأحكام الأخيرة للمحكمة الإدارية العليا بشأن إلغاء نتائج الانتخابات فى بعض الدوائر يتوقف على محتوى مسودة الحكم، التى سيتبين من خلالها الإجراء الذى يجب استئنافه لإجراء الانتخابات من جديد.
وأوضح «فوزى» أن حيثيات الحكم ستحدد ما إذا كان يجب العودة إلى مرحلة الترشح، أو مرحلة الدعاية، أو مرحلة الاقتراع، أو ما إذا كان الخطأ قد وقع فى عملية الفرز فقط.
وقال: «الهيئة الوطنية للانتخابات هى الجهة المسئولة عن تحديد الجدول الزمنى لإعادة الانتخابات فى تلك الدوائر الملغاة، وفقًا للموارد المتاحة، مع ضمان عدم وجود تعارض فى الإجراءات»، مؤكدًا أنه لا يشترط أن يتم ضم الانتخابات فى تلك الدوائر إلى جولة الإعادة المنتظرة قريبًا.
وفيما يخص القلق بشأن تأخر انعقاد مجلس النواب عن موعده، المقرر فى ١١ يناير المقبل، أكد فوزى أنه لا يوجد أى إشكال دستورى فى هذا الشأن، وأنه لن يؤثر على سير العمل التشريعى.
وشرح أن الدستور عالج هذا الوضع بوضوح، إذ ينص على أنه فى حال عدم انعقاد مجلس النواب، يحق لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين تكتسب قوة القانون، على أن يتم عرضها على المجلس الجديد خلال ١٥ يومًا من انعقاده، وإذا لم تتم الموافقة عليها، تصبح تلك القرارات غير نافذة بأثر رجعى، إلا إذا قرر المجلس اعتمادها أو تسوية آثارها.
وأضاف «فوزى»: «هذا النص الدستورى يضمن عدم توقف العمل التشريعى فى حال تأخر انعقاد مجلس النواب، حيث يمكن لرئيس الجمهورية اتخاذ تدابير قانونية فى الحالات الطارئة وفقًا للقانون».
من جهته، أكد الدكتور عبدالله المغازى، أستاذ القانون الدستورى، أن الدستور لم يترك ثغرة أو فراغًا متعلقًا بالدولة المصرية، بما فيها المسئول عن السلطة التشريعية حال تأخر إجراء انتخابات البرلمان، وتحديدًا مجلس النواب فى الوضع الحالى.
وقال «المغازى»: «فى حال انتهاء المدة المحددة لمجلس النواب الحالى، فى ١١ يناير المقبل، وعدم الانتهاء من إجراء الانتخابات الجديدة، يكون رئيس الجمهورية هو المُشرِع، من خلال إصدار قرارات بقوانين، إلى أن ينعقد مجلس نواب جديد وينظر فى كل هذه القرارات، ويكون له الحق فى اعتمادها من عدمه، وذلك بموجب الدستور».
وأضاف أستاذ القانون الدستورى: «الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا نافذة، وعلى الهيئة الوطنية للانتخابات إعادة تقييم سريعة، والعمل على وضع الآليات اللازمة لاستكمال مراحل العملية الانتخابية بما يتماشى مع تلك الأحكام وضمان نزاهتها».
أما الدكتور حسين المقداد، أستاذ القانون الدستورى بجامعة حلوان، فقال إن المحكمة الإدارية العليا لا تملك صلاحية الحكم ببطلان انتخابات مجلس النواب ككل، بل يمكنها فقط إبطال مرحلة معينة أو بعض الدوائر الانتخابية، بناءً على النظر فى الطعون المتعلقة بقرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، وفقًا للمادة ١٢ من القانون المنظم لعمل الهيئة.
واضاف «المقداد»: «اختصاص الفصل فى الطعون الانتخابية يتغير بمجرد إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات النتيجة النهائية»، موضحًا أنه «قبل إعلان النتيجة، تظل جميع الطعون المتعلقة بمراحل العملية الانتخابية، بما فى ذلك الدعاية والصمت الانتخابى والتصويت والفرز، تحت ولاية المحكمة الإدارية العليا، أما بعد إعلان النتيجة، فتتحول إلى طعون فى صحة العضوية، وهو ما يختص بالفصل فيه محكمة النقض».
وأفاد بأن إحالة الطعون إلى محكمة النقض تستند إلى المادة ٣١ من القانون رقم ٨٤ لسنة ٢٠٢٥ المعدل للقانون رقم ١٤١ لسنة ٢٠٢٠، وتنص على أن «محكمة النقض هى الجهة المختصة بالفصل فى صحة عضوية أعضاء مجلس النواب. وتُقدَّم الطعون إلى محكمة النقض مصحوبة ببيان الأدلة خلال ٣٠ يومًا من تاريخ إعلان النتيجة النهائية للانتخابات أو نشر قرار التعيين فى الجريدة الرسمية».
وشدد القانون ذاته على ضرورة أن تفصل محكمة النقض فى الطعن خلال ٦٠ يومًا من تاريخ وروده إليها. وفى حال صدور حكم ببطلان العضوية، تُبطل من تاريخ إبلاغ المجلس بالقرار، وفق أستاذ القانون الدستورى. ورأى المحامى بالنقض، وائل نجم، أن حيثيات الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا فى طعون انتخابات مجلس النواب، هى التى تحدد الخطوات التالية فى الانتخابات، مضيفًا: «المحكمة نظرت الطعون المُقدمة إليها فقط، وفصلت فيها بناءً على الأوراق والمستندات المتاحة أمامها، والعديد من هذه الطعون رُفض بسبب زوال المصلحة».
وفسر المحامى بالنقض «زوال المصلحة» بأن الطعن يكون مُقدَمًا من مرشح كان موجودًا فى دائرة انتخابية شهدت تقديم طعون متعددة من مرشحين آخرين، ما يعنى أنه فى حال صدور حكم لصالح أحد المرشحين، سيكون لهذا الحكم أثر قانونى على باقى المرشحين فى نفس الدائرة.
وأضاف «نجم»: «المحكمة اكتفت بنظر طعون قوية تتضمن أسبابًا جوهرية ومُستوفاة لكل الشروط القانونية والأحكام المتعلقة، والحكم الذى ستصدره المحكمة سينعكس تأثيره على جميع المرشحين فى الدائرة، وليس على مقدم الطعن فقط».













0 تعليق