في عالم تتسارع فيه الأحداث وتختلط فيه الحقائق بالأخبار العابرة يظل هناك من يقف بثبات ليحمي الكلمة ويصون الرسالة الصحفية من الانزلاق في هاوية التفاهة والسطحية.
الدكتور عبد الرحيم علي ليس مجرد مدير أو رئيس مجلس إدارة بل هو حارس للوعي ومسئول عن حفظ مساحة تفكير حقيقية وسط زحام الانحرافات وحافظ لممرات الضوء داخل مهنة صارت تبحث عن هوية بين عالمين: عالم ورقي يشيخ وعالم رقمي يتوحش.
الدكتور عبد الرحيم علي ليس مجرد اسم في عالم الصحافة بل هو تجربة متكاملة من الصمود والإصرار والإبداع الإعلامي في زمن ندر فيه من يجرؤ على بناء مشروع صحفي مستقل. في وسط رحلته قرر أن يؤسس البوابة نيوز، وهي خطوة لم تكن سهلة ولا مضمونة، بل كانت مواجهة حقيقية مع تحديات مالية وإدارية ضخمة، ومع شكوك من حوله في قدرة مؤسسة جديدة على الصمود وسط أمواج عاتية من المنافسة الرقمية والمطبوعة.
عانى عبد الرحيم علي، كما يعاني كل من يختار أن يزرع الحقيقة في أرض عقيمة أحياناً، كان عليه أن يوازن بين الاستمرارية والالتزام بالقيم، بين توفير رزق للعاملين وبين الحفاظ على استقلالية الكلمة، بين الضغط المالي والوفاء للمبدأ. لكنه لم يساوم، ولم يخذل الفكرة التي حلم بها منذ البداية: أن تكون البوابة نيوز مساحة للوعي والتحليل والنقد البناء.
ومنذ نشأت البوابة نيوز لم تكن يوما مجرد موقع للخبر بل كانت تجربة فكرية وفضاء للمعرفة ومكانا للصوت الحر المنصف الذي لا يخضع للضغوط.. هي بوابة للحكمة كما هي بوابة للوعي الوطني وللانصاف الاجتماعي والأخلاقي وهي تمثل صمود الإنسان والفكر أمام الرياح العاتية التي تعصف بالصحافة التقليدية.
ومع الجهد والمثابرة، نمت البوابة نيوز، وارتقت لتصبح واحدة من أكبر المواقع الإخبارية في مصر، صرحا إعلاميا له وزنه وتأثيره، ومنصة يمكن الاعتماد عليها لرصد الأحداث وتحليلها بعمق ورؤية متزنة. كان نجاحها شهادة على رؤية الدكتور عبد الرحيم علي الفريدة، وعلى إيمانه بأن الصحافة ليست مجرد نقل أخبار بل بناء ثقافة ووعي.
لقد كان عبد الرحيم علي بما عرف به من صرامة بحثية وشغف معرفي وخبرة سياسية واحداً من الذين آمنوا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة لكسب العيش بل وسيلة للدفاع عن الوعي الوطني ولحماية القيم التي تتعرض اليوم لأقسى موجات التشويه ومع ذلك لم يكن الاستمرار سهلا فالصحافة الآن تخوض معركة بقاء حقيقية.. ومعركة الوعي كما تعلمون يدفع ثمنها غاليا.
ورغم العواصف المالية التي عصفت بمؤسسات أكبر وأعرق ظلت البوابة نيوز واقفة وظل الباب مفتوحا باب رزق وباب فكر وباب وطن.. هذه القدرة على الصمود ليست مجرد مهارة إدارية بل هي موقف فلسفي من العالم أن تظل واقفا حين يسقط الآخرون، وأن تختار الطريق الأصعب طريق المعرفة والعقل في لحظة يغري فيها الصخب الكثيرين.. وهذا الصمود هو ما يسجل اليوم للدكتور عبد الرحيم علي الذي حمل المؤسسة في وقت اختارت فيه مؤسسات أخرى الانحناء أو الانسحاب.
لكن الواقع اليوم مختلف، فالمؤسسة التي نشأت على الجهد الشخصي والإرادة الصلبة تواجه الآن صعوبات مالية حقيقية، نتيجة قلة الدعم وضعف الموارد في زمن أصبح فيه التمويل الإعلامي تحديا صعبا، وضغوط السوق الرقمي تبتلع حتى المؤسسات الأكبر قدرة. وما بدأ كحلم وشغف شخصي أصبح اليوم معركة للبقاء، معركة يحتاج فيها العقل والإرادة أكثر من أي وقت مضى.
الحقيقة أن أهمية البوابة نيوز اليوم لا تأتي فقط من أخبارها وتحليلاتها بل من كونها تحاول حماية مساحات التفكير في زمن يتقلص فيه التفكير نفسه هي صوت لا يدعي الحياد حين تكون الحقيقة مهددة ومنصة تحاول أن تحفظ للصحافة معناها الأخلاقي قبل معناها المهني.
ولأن المؤسسات لا تقاس فقط بأرقام توزيعها بل بقيمتها في معركة الوعي فإن البوابة رغم أزماتها لا تزال أحد الأعمدة القليلة التي يمكن الاتكاء عليها في مشهد إعلامي مرتبك.
في هذا السياق، يظهر الدكتور عبد الرحيم علي ليس فقط كمدير أو صاحب مؤسسة، بل كرمز للصمود في وجه الصعاب، كشخص عرف معنى التضحية من أجل الكلمة، وكقائد حمل على عاتقه مسئولية أن تظل منصة مستقلة تصنع الفرق في عالم إعلامي يزداد صعوبة وتعقيدا يوما بعد يوم. وهذه الرحلة، رغم ألمها وتحدياتها، تظل شاهدة على أن الصمود والفكر والرؤية يمكن أن تحمي الحقيقة حتى في أصعب الأوقات.
وفي لحظات الأزمات يصبح الحديث عن مؤسسة كهذه ليس دفاعا عن إدارة أو أشخاص بل دفاعًا عن فكرة. عن ضرورة وجود منابر تحمي المجال العام من الوقوع في قبضة العبث في المستقبل. كما يعلمنا التاريخ لا يصنع بالضجيج بل بمن يملك القدرة على رؤية أبعد وبمن يؤمن أن البناء الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ بل إلى عقول هادئة تعرف كيف تميز بين الخلاف المشروع ومحاولات الهدم.
وهكذا يبقى الدكتور عبد الرحيم علي رغم كل التحديات واحدا من الذين يشبهون جذوع الأشجار العتيقة قد تهزها الرياح لكنها لا تكسرها.
وتبقى البوابة نيوز مساحة ضوء ربما خافتة في بعض الأيام لكنها لا تنطفئ لأنها ببساطة تقوم على قناعة راسخة أن الوطن لا يخدم بالصوت العالي بل بالكلمة التي تبقي العقل يقظا والمجتمع متماسكا والحق ممكنا.
ورغم كل الصعاب والرياح العاتية التي عصفت بعالم الصحافة، يظل عبد الرحيم علي مثالا على أن الإيمان بالكلمة، والوفاء للفكرة، أهم رسالة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الكبرى واضحة: الصحافة الحرة والواعية تحتاج إلى قلوب شجاعة وعقول صافية.. والدكتور عبدالرحيم علي واحد من هؤلاء الذين صنعوا الفرق وآمنوا بالكلمة التي تصنع وعياً مستنيرًا.
*كاتبة وباحثة








0 تعليق