.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
مع حلول عيد الأضحى من كل عام، لا تتوقف رحلة الأضحية عند توزيع اللحوم فقط، فهناك جزء آخر يبدأ رحلته بعد الذبح مباشرة، هو الجلد؛ تلك الخامة التي تتحول من مادة عضوية سريعة التلف إلى منتج صناعي وفني قد يعيش لعشرات السنين، عبر واحدة من أقدم الحرف التي عرفتها مصر والعالم: الدباغة.
هذه الحرفة التي قاومت الزمن والتكنولوجيا الحديثة، لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها حلقة الوصل بين الأضحية والصناعة، إذ تمر الجلود بمراحل طويلة قبل أن تصبح حقائب أو أحذية أو معاطف أو منتجات تستخدم يوميًا.
من الجلد الخام إلى منتج قابل للحياة
الدباغة هي العملية التي يتم خلالها تحويل جلد الحيوان بعد سلخه إلى جلد صالح للاستخدام، عبر حفظه من التعفن ومنحه المرونة والمتانة. وتعتمد الصناعة بشكل رئيسي على جلود الأبقار والجاموس، إلى جانب جلود الأغنام والماعز والغزلان، لتدخل بعد ذلك في صناعات متعددة تشمل الأحذية، والأحزمة، والحقائب، والقفازات، والملابس الجلدية. ورغم التطور الصناعي، لا تزال المراحل الأساسية للدباغة تعتمد على خبرات متوارثة وصبر طويل، لأن أي خطأ في البداية قد يفسد الجلد بالكامل.
حرفة عمرها آلاف السنين
تعد صناعة الدباغة من أقدم الصناعات التي عرفتها مصر، إذ تعود جذورها إلى العصر الفرعوني، حين أدرك المصري القديم أهمية الجلود واستخدمها في صناعة النعال والسيور وأدوات الحياة اليومية. كما استعملت الجلود في الكتابة والتوثيق، وكشفت الحفريات عن وثائق ومخطوطات كتبت على جلود الماعز والحيوانات الأخرى، ما يعكس براعة المصريين القدماء في استغلال هذه الخامة، ومع تعاقب العصور، استمرت الحرفة وتطورت، حتى أصبحت مناطق بعينها في القاهرة مرتبطة بها تاريخيًا.
سور مجرى العيون.. عاصمة الجلد المصرية
ارتبطت صناعة الدباغة لعقود طويلة بمنطقة سور مجرى العيون ومحيط عين الصيرة والجيارة في القاهرة التاريخية، حيث انتشرت عشرات الورش والمدابغ. وتشير الإحصاءات إلى أن منطقة عين الصيرة وحدها كانت تضم نحو 250 مدبغة، بينما احتوت منطقة مصر القديمة على ما يقرب من 540 ورشة ومصنعًا صغيرًا يعمل بها آلاف العمال. وشكلت هذه المناطق لسنوات طويلة قلب صناعة الجلود في مصر، قبل انتقال جزء من النشاط إلى مدينة الروبيكي المخصصة للصناعات الجلدية.
كيف تبدأ رحلة الجلد بعد الأضحية؟
تبدأ أولى المراحل بعد الذبح مباشرة فيما يعرف بمرحلة التمليح، إذ توضع الجلود داخل أحواض كبيرة تحتوي على الماء وكميات وفيرة من الملح، بهدف تنظيفها وحمايتها من التلف. بعدها تأتي مرحلة إزالة الشعر والشوائب، وهي من أكثر المراحل حساسية، حيث يستخدم العمال براميل ضخمة ومواد كيميائية تتطلب تعاملًا دقيقًا. ثم تمر الجلود بمراحل إضافية تشمل الغسيل، والدباغة الكيميائية أو النباتية، والتجفيف، والصباغة، والتشطيب النهائي، قبل أن تتحول إلى خامة تدخل المصانع وورش التصنيع.


















0 تعليق