إبراهيم عاطف يكتب: التجريدة صرخة الأصوات المهمشة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

صدرت رواية التجريدة للكاتب المصرى أحمد إبراهيم الشريف فى يناير 2025 عن دار نشر منشورات الربيع، والشريف صدر له من قبل رواية" موسم الكبك" و" طريق الحلفا" و" زغرودة تليق بجنازة" مجموعة قصصية، وله العديد من الأعمال النقدية منها" الخطاب الشعرى عند نجيب سرور" و"أقنعة باكثير" و" رحلة العائلة المقدسة".  وحصد مشروعة الروائى العديد من الجوائز.

فرض موضوع الرواية شكلًا أدبيا مناسبًا وتقنيات سردية ملائمة، فجاءت التجريدة رواية أصوات تتيح للشخصيات التعبير عن نفسها بحرية، إذ تضم مصائر مجموعة من الشخصيات المهمشة التى خاضت انتفاضة أهلية فى مدينة قاو بجنوب مصر، وكأن هذه الشخصيات تريد أن تسمع القارئ أصواتها القوية عبر ضمير المتكلم، أو ما يمكن تسميته بـ«ضمير الحكاية»، وهو ضمير ملائم للكشف عن نفسية الشخصيات ومشاعرها القلقة والمضطربة بعد أحداث التجريدة العسكرية على قرى قاو، وقد نجح هذا التوافق بين شكل الرواية وتقنيتها، بوصفها رواية أصوات فى كشف المستور من تاريخ مصر فى نهايات القرن الثامن عشر، وبخاصة فترة حكم الخديوى إسماعيل.

وفى المقابل أتاحت الرواية لبعض الشخصيات التى تمثل وجهة نظر السلطة أن تعبر عن رؤيتها للأحداث، غير أن الرواية لم تكن موفقة تمامًا فى تقديم شخصيات السلطة عبر المونولوج الداخلي؛ فالمونولوج بطبيعته يحمل روح الشخصية ويقربها من البوح والحميمية، وهو ما يتعارض مع قسوة السلطة وعنفها، لذلك بدا ثمة تناقض فى رسم تلك الشخصيات، ومع ذلك فإن تقديم شخصية الخديوى إسماعيل من خلال عين مساعده الشخصى خليل أغا كان أقرب إلى رسم صورة محايدة لرجل السلطة المختبئ داخل القصور المليكة، والذى لا يمكن الوصول إلى فهم حقيقته إلا عبر المحيطين به.
كما أسهم ديكور الأشياء وتوظيف اللغة الحوارية فى تكوين عالم روائى فريد؛ إذ استعانت الرواية بقاموس الحياة الصعيدية، وكشفت فرادة اللغة أحيانا خصوصية المجتمع الزراعى فى جنوب مصر خلال تلك الفترة التاريخية، وتعبر تسمية «قاو الخراب» بعد التجريدة العسكرية عليها على قدرة السلطة على فرض دلالاتها على الأشياء؛ فأصبحت قرى قاو مرتبطة بالخراب وغياب العمران، وبقيت هذه التسمية حتى اليوم شاهدة على قهر السلطة وسطوتها على الإنسان والمكان.


وظفت الرواية المونولوج الداخلي، لكنه لم يكن مونولوجًا مباشرًا، بل جاء فى صورة مونولوج غير مباشر يتداخل فيه صوت الكاتب بالتعليق والوصف، مع الانتقال بين ضمير المتكلم وضمير الغائب. كما يقدم الراوى العليم معارفه الواسعة عن المكان والشخصيات، ويكشف مشاعرها تجاه الأحداث، ويمد القارئ بالمعلومات السردية التى تبدو كأنها صادرة من خبرة التجربة بالمكان والأحداث.
ويتعامل كاتب الرواية بحذر مع تقنية المونولوج الداخلي؛ فهو لا يرغب فى الاستغراق فى المونولوج المباشر حتى لا يقترب من رواية تيار الوعى بل يوظف المونولوج غير المباشر بحذر من أجل تقديم المعلومات المتعلقة بالحدث الرئيسى وكأنها صادرة عن وعى الشخصية؛ لذلك تبتعد رواية الأصوات عن مناجاة النفس والتداعى الحر، ويظل حضور المؤلف واضحًا بوصفه مرشدًا للقارئ وموجها لمسارات السرد.
وتمنح رواية الأصوات شخصياتها مساحات واسعة للتعبير عن نفسها من خلال الحوار، الذى يصنع درامية النص ويجنبه الانغلاق الذاتى والغنائية المفرطة، وكأن الرواية تحاول الهروب من الانغلاق الرومانسى على الذات ومن الاستغراق النفسى الذى يميز رواية تيار الوعي. ولعل الرواية نجحت فى تجاوز انغلاق الشخصيات على ذواتها عبر وعى الصوت السردى بنفسه والآخر فى الوقت نفسه، فالانتقال من الوعى بالذات إلى الوعى الآخر يتم ذلك عبر الحوار السردى بين الشخصيات. فالحوار لا يكشف الشخصية فقط، بل يكشف أيضًا موقفها من الأصوات الأخرى. وإذا كانت الرواية قد وظفت الحوار الدرامى بكثافة، فإنها منحت بعض الشخصيات مساحة للحوار الداخلى من أجل الكشف عن تأثير الأحداث وتناقضات الواقع، وبذلك استطاعت الهروب من غواية الانغلاق على الذات.
وينقسم هيكل الرواية إلى ثلاثة أقسام:«الغارة» «الخراب»«التيه». ففى الجزء الأول«الغارة» يوظف الكاتب المونولوج غير المباشر بحذر، ويقدم للقارئ معلومات عن الشخصيات والمكان والأحداث بهدف بناء العالم الروائى ورصد الحدث الرئيس المتمثل فى التجريدة الغاشمة ضد أهل قاو وقد ابتعد هذا الجزء عن المناجاة والتداعى الحر من أجل التمهيد السردى وبناء الخلفية الاجتماعية وشبكة علاقات الشخصيات.
أما الجزء الثانى «الخراب»، فقد ركز على الحدث الرئيس من خلال وجهات النظر الأصوات المشاركة فيه، فجاءت الأصوات السردية أشبه بشهود عيان يمثلون الجماعة الشعبية التى واجهت بطش الأسرة العلوية.
وفى الجزء الأخير «التيه» وظف الكاتب المونولوج بصورة أقرب إلى البوح بالمشاعر الحزينة والغاضبة بعد خراب المكان على يد الخديو إسماعيل. وهنا انتقلت الرواية من السردية المعلوماتية إلى التقمص الباطنى للشخصيات، بعد أن أفرغ الكاتب الحمولة التوثيقة والمعلوماتية فى الجزاين السابقين «الغارة»«الخراب» لذلك أصبح حضور الشخصيات أكثر ارتباطًا بالحمولة النفسية لتأثير الحدث عليها، وظلال التيه باعتباره حركة داخل وخارج المكان بلا هدف مما يدل على عدم الاستقرار النفسى والمكاني.
وفى الجزء الأخير ظهرت أصوات نسائية متعددة مثل مرجانة وراسم مجيد وملوك مجيد. وقد استطاعت هذه الأصوات النسائية أن تمثل حالة الحزن والضياع والتيه المسيطرة على قاو بعد خرابها عل يد رجال الخديوى إسماعيل. وجاءت هذه الأصوات أقرب إلى الرثاء والعديد، كما بدا واضحًا على لسان شخصية ملوك مجيد، إذ بدت الشخصيات النسائية أكثر قدرة على التبعير عن الحزن بما تحمله من حمولات نفسية وعاطفية عميقة مرتبطة بطبيعة المرأة وقدرتها على الإفصاح عن متشاعرها بوضوح.
كما اتجه السرد فى هذه الجزء إلى لغة أقر إلى الشاعرية، تتسرب بنعومة بعيدًا عن الرتيب المنطقى الصارم بما يناسب الحالة النفسية للشخصيات المهزومة التى تميل إلى الصمت والبوح ورثاء الذات والشعور بالاغتراب، ومن ثم تراجعت درامية الحوار لصالح السردية الغنائية التى صنعها المونولوج الداخلى الذى عبر عن مشاعر الضياع بعد فقدان المكان والهروب منه.
وهكذا منح الجزء الأخير النص طاقة غنائية وشحنات نفسية كثيفة تنقل معاناة الشخصيات ومدى تأثير خراب المكان فى حيواتهم، فما بين صلابة الحوار الواقعى وسيولة الوعى الداخلى استطاعت الرواية أن تعبر عن أول صدام عسكرى يخوضه الخديوى إسماعيل ضد الشعب المصرى فى بداية حكمه، لتظل تجريدة أهل قاو شاهدًا على المهمش فى تاريخ مصر الحديث، ولتؤكد الرواية فى النهاية أنها بحق صرخة الأصوات المهشمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق