.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
إذا كانت الأمم سبقتنا بأن قطعت أشواطا فى الحضارة، فما ذلك إلا لأنهم أعملوا فكرهم واجتهدوا بعد أن كانوا يعيشون فى ثبات عميق وجهل مطبق عليهم عدة قرون كانت مظلمة عليهم، ولكنها لم تكن علينا هكذا، وإنما كنا فى خير ورخاء، وكنا نتطلع لأن نسهم بنصيب فى الحضارة، حتى إذا وصلت إلينا دفعناها إلى الأمام، وأنشأنا حضارة عظيمة عرفها التاريخ باسم الحضارة الإسلامية استمرت عدة قرون من العطاء، وعنها تلقفها الغرب الذى يرتع فى النعيم بينما نحن نقبع فى الجحيم، لإغلاقنا باب الاجتهاد وإعمال الفكر.
يرى عملاق الفكر العربى عباس محمود العقاد فى كتابه "التفكير فريضة إسلامية" أن من مزايا الإسلام مزية التنويه بالعقل والتعويل عليه فى أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف، والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه.
قسم العقاد العقل إلى أنواع فمنه العقل الوازع وهو ما يتعلق بالمنع عن المحظور والمنكر، وهو ما يلجمك عن فعل الموبقات أو أن تقع فى المهلكات، ومن ثم كان اشتقاقه من مادة "عقل" التى يؤخذ منها العِقَال وهى تستخدم للدواب لتقييدها وعدم جموحها.

التفكير فريضة إسلامية
ومنه كذلك العقل المدرك الذى يناط به الفهم والتصور، وهو على كونه يدرك الوازع الأخلاقى فإنه يستقل أحيانا بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهى أو بالحسنات والسيئات.
وهناك العقل الحكيم ومن خصائصه أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه ويستخرج منه بواطنه وأسراره ويبنى عليها نتائجه وأحكامه، وأما أعلى أنواع العقل فهو العقل الرشيد، وهو يستوعب جميع الأنواع السابقة إلا أنه يمتاز عنها بأنه يعنى المزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال.
خاطب القرآن الكريم العقل الإنسانى بكل أنواعه، فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد، وذلك فى آيات كثيرة، وهذا يدل على أن القرآن أقر فريضة التفكير، وأنه يخاطب العقل الذى يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأمور ويوازن بين الأضداد ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار والرواية.
يقول العقاد: "الدين الإسلامى دين لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانا يسعى به إلا المحراب بشفاعة من ولى متسلط أو صاحب قداسة مطاعة، فليس فى هذا الدين من أمر يتجه إلا الإنسان من طريق الكهان، ولن يتجه الخطاب إذن إلا إلى عقل الإنسان حرا طليقا من سلطان الهياكل والمحاريب أو سلطان كهانها، فلا هيكل فى الإسلام "فأينما تولوا فثم وجه الله".
بعد أن انتهى العقاد من تبيان أن التفكير فريضة من فرائض الإسلام وهو الفصل الأول من كتابه، أوضح فى فصوله التالية علاقة الإسلام بالقضايا التى يراها البعض بأنها قضايا ملتبسة أو قد لا تتوافق معه، مثل: الفلسفة، المنطق، العلم، الفنون الجميلة، المعجزة، الاجتهاد، التصوف، المذاهب الاجتماعية والفكرية، العرف والتقاليد.
سأختار حديثه عن الفنون الجميلة والفلسفة؛ لأننى أعشق الاثنين، كما أن الفنون الجميلة بكل أنواعها مازالت ملتبسة عند البعض، فهناك من يرى أن الإسلام ضدها وهى من المحرمات، ولكن هناك رأيا آخر لا يرى التحريم وإنما هناك تفصيل..

حسين السيد
الفنون الجميلة
هل كثرة التماثيل الموجودة فى المعابد تدل على حب الجمال والدعوة إليه، وهل إذا أمر دين بهدمها فإن هذا الدين لا يحض على الجمال؟ يرى العقاد أن هذا مقياس إذا لجأنا إليه فهو خطأ، فلا تعنى كثرة التماثيل حب الجمال، ولا هدمها يعنى بغض الجمال، وإنما يقاس نصيب الفن الجميل من الدين بنظرة الدين إلى الحياة، ويقول:" فلا يقال عن دين إنه يحيى الفنون الجميلة أو يتقبل إحياءها إذا كانت له نظرة زراية إلى الحياة، فينظر إلى الجسد ومتاعه كأنه رجس مرذول وانحراف بالإنسان عن عالم الروح والكمال. ولا يقال عن دين إنه يزدرى الفن الجميل إذا كان الجمال من مطالبه وكانت نعمة الحياة مقبولة فى شرعة المتدين به بل واجبة عليه".
إذن لابد من أن تكون نظرتنا تعتمد على نظرة الدين إلى الحياة، هل الدين يحث على الحياة وعلى التطيب منها وعلى الأخذ بالزينة منها، لا شك أن الإسلام الدين الوحيد الذى أمرنا بهذا بل إن من حرم هذه الزينة على الناس فهو آثم، فلا رهبانية فى الإسلام، "قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وقوله تعالى: "يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد"، والسنة النبوية تؤيد هذا، فيروى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله جميل يحب الجمال"، وقال أيضا: "إن الله يحب كل جيد الريح كل جيد الثياب"، وعند الذهاب إلى صلاة الجمعة يلبس الإنسان أفضل ما لديه ويتعطر، وإذا كانت هذه نظرة الدين إلى الحياة فهل يحرم شيئا يجمل حياتنا؟ يقول العقاد: "والدين الذى ينظر إلى الحياة والجمال هذه النظرة القويمة السوية لا يسوغ لأحد أن يظن به تحريما لشىء من الفن الجميل أو نهيا عن شىء يجمل الحياة ويحسن وقعا فى الأبصار والأسماع".
وأما ما يقال حول هدم الرسول صلى الله عليه وسلم لأوثان الكعبة فيمكن الرد عليها بسهولة وهى أنه صلى الله عليه وسلم كان يخشى عليهم من أن يعودوا إليها مرة أخرى بدافع الحنين مثلا، وهو ما يحدث فى عصرنا الحالى، فمثلا لو حدثت ثورة فى مكان ما، فماذا يفعل القائمون عليها؟ أول شىء هو محاسبة رجال العهد البائد، ويصل الأمر بهم إلى قتلهم وتصفيتهم.
كما أن الصور والتماثيل قد تكون نعمة من الله على عباده، مثل سيدنا سليمان، يقول تعالى:" يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادى الشكور"، ويقول العقاد: "القاعدة فى الإسلام أنه لا تحريم حيث لا ضرر ولا خشية من الضرر"، وعرض العقاد لرأى الشيخ عبد العزيز جاويش صاحب مجلة الهداية فى موضوع التصوير؛ حيث لم يحرمه الشيخ بل عدّد مزاياه فقال فى نهاية حديثه: "وإن كانت – الصور- لمجرد الزينة واللهو المباح كان اتخاذها مباحا، فأما إذا كانت تتخذ للتعظيم والعبادة والتبرك ونحو ذلك فهى حرام قطعا معذَّبٌ صانعها ومعذَّبٌ متخذها"، ولا شك أننا فى هذا العصر- أغلبنا- لا نعبد الصور ولا نتبرك بها، فمن كان يعلق صور آبائه وأجداده للتذكر وعدم النسيان فلا إثم عليه.
يروى العقاد عن الإمام محمد عبده أنه كان يزور معاهد الفن ويكتب عنها ويستحسن حفظ آثارها النادرة وتحفها النفيسة؛ لأنها من قبيل حفظ العلم وتصوير خفايا النفس الإنسانية، وكتب الإمام فى مجلة المنار فصلا عن رحلاته فى صقلية وما بها من صور وآثار، وبعد أن كتب مشاهداته بيَّن لماذا يتكالبون على اقتناء هذه الصور ويدفعون مئات الآلاف، ثم قال: "هل تدرى لماذا؟ إذا كنت تدرى السبب فى حفظ سلفك للشعر وضبطه فى دواوينه والمبالغة فى تحريره، خصوصا شعر الجاهلية ... أمكنك تعرُّف السب فى محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى"، وبعد هذا أجاب الإمام عن السؤال الذى يدور فى ذهنك: ما حكم هذه الصور فى الشريعة الإسلامية؟ فأقول لك: إن الراسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محى من الأذهان.
ماذا عن حديث (إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون)، قيل له هذا الحديث جاء فى أيام الوثنية، والعرب كانوا يعبدون الأصنام والتماثيل، وكانوا يتبركون بها ويعظمونها، فخيف عليهم من الردة والعودة إليها مرة أخرى.
وماذا عن الغناء والموسيقى؟ إذا كان فن السماع – الغناء والموسيقى- غير ممتزج بالخلاعة أو مثير للشهوات، فلا شىء فيه من الإثم، أى أنه مباح ما لم يقترن بالخلاعة والشهوة، فإذا اقترن فهو حرام، مثله فى ذلك مثل الحديث الخليع والملابس الفاتنة، فلا يقال إن هذا التحريم يمنع الكلام أو يمنع الكساء.
لا ننسى أن القرآن يؤثر فى النفوس إن كان بصوت حسن، ونطلب الاستزادة من القارئ، أما إن كان الصوت فيه نشاز، فلا تكون فيه حلاوة، كذلك الأذان، إما أن يكون محببا أو يكون ضجيجا. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - رغم صرامته وشدته- أنه لم يحرم الغناء، فجاءه قوم قالوا: إن لنا إماما يصلى بنا العصر ثم يغنى بأبيات، فقام معهم إلى منزله، واستنشده تلك الأبيات فأنشده... فجعل عمر يقول: من كان منكم مغنيا فليغن هكذا. وهناك روايات تدل على أن عمر لم يحرمه، ولكن لا أريد أن أطيل...
أما عن فن التمثيل فقد أوضح العقاد رأيه بلا مواربة، فإذا كان الإسلام أباح للمرأة ظهور الوجه والكفين والقدمين، فإن فن التمثيل لا يضيق بالمباح المقبول من الشريعة الإسلامية، ودلَّ على صحة رأيه بنهضة فن التمثيل فى أوروبا فى القرن السابع عشر، يوم كانت أزياء النساء لا تبدى من أوروبا غير الوجه والكفين، وقد تحجب الكفين بالقفاز أو الأكمام الطوال.
أرى نفسى متفقا مع العقاد فيما قاله حول فن التمثيل، فمادامت المرأة ملتزمة بالآداب الشرعية فلا حرج فى تمثيلها، فمثلا من المسلسلات الناجحة "إمام الدعاة"؛ إذ ترك أثرا فى نفوس المشاهدين، وكان لابد من ظهور المرأة، فكان هناك التزام وحشمة فى الملابس، فما المانع من تمثيلها؟ وهناك الكثير من الأفلام والمسلسلات التى لا تخدش حياء المتلقين، أما الخروج عن النص عن طريق المشاهد الخليعة، فهو لا يخدم الدراما ويجعل الناس تنفر منها.
إذن التمثيل شأنه شأن باقى الفنون، فأهلا به إن كان سيجلب للمُشاهد فوائد من معرفة بالتاريخ إن كانت تاريخية، أو معرفة بالدين إن كانت دينية، أو سيهذب المشاعر إن كانت رومانسية، فلم أسمع عن إنسان رقيق المشاعر وصف بأنه متحرش، وإذكاء الروح الوطنية إن كانت وطنية، ونحن الآن فى أمس الحاجة إليها.. إلخ.















0 تعليق