.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في سيرة عادل إمام مساحة شديدة الخصوصية، تبدأ من البيت قبل المسرح، ومن الأب والأم قبل الشهرة، ومن الطفل الذي خرج من أسرة بسيطة، ثم صار واحدًا من أكثر الفنانين حضورًا في الذاكرة العربية، وحين يتحدث "الزعيم" عن والده ووالدته، تتراجع صورة النجم قليلًا، ويظهر الابن كما هو، رجل لا يزال يحمل في داخله هيبة الأب، وحنان الأم، ودعاءها القديم الذي ظل يرافقه في رحلة طويلة مع الجمهور.
تفتح سيرة الأب بابًا مهمًا في تكوين عادل إمام، ففي كتاب "الحرفوش.. أيام عادل إمام" للكاتب الصحفي أيمن الحكيم، كما عرضته صحيفة "الشرق الأوسط"، يرد أن عادل إمام يحمل في أوراقه الرسمية اسم "عادل إمام محمد بخاريني"، وأنه ولد لأسرة ريفية بسيطة في قرية شها بالقرب من المنصورة، وأن والده كان صاحب طريقة خاصة في السخرية، يضحك من حوله دون أن يفقد جديته وهيبته، في إشارة لافتة إلى أن خفة الدم في حياة عادل إمام لم تبدأ على خشبة المسرح، وإنما كانت ممتدة في العائلة، من الجد إلى الأب، ثم إلى الابن الذي جعل الكوميديا مشروعًا فنيًا كبيرًا.
عادل إمام ووالده ورامى
وتتكرر صورة الأب الصارم في أكثر من شهادة لعادل إمام، ففي حديثه مع الإعلامي عمرو الليثي في برنامج "واحد من الناس"، قال عادل إمام إن والده كان قاسيًا جدًا وصارمًا، وإن الدراسة والصلاة كانتا من أهم ما يشغله في تربية ابنه، وهذه العبارة تفتح مدخلًا لفهم جانب من شخصية الفنان الذي عرفه الجمهور خفيف الظل، بينما تكشف ذاكرته العائلية عن بيت يعرف الانضباط، وأب يربط التربية بالالتزام، ويرى في نجاح الابن الدراسي وسلوكه الديني عنوانًا للنجاة، لكن عادل إمام لم يحتفظ بصورة الأب القاسي وحدها، ففي روايته نفسها، كما ورد في فيديو برنامج "واحد من الناس"، قال إن والده صار صاحبه حين كبر، بما يعني أن العلاقة انتقلت من سلطة الأبوة إلى مساحة أهدأ، فيها قدر من القرب والمصالحة، وهنا تبدو حكاية الأب أكثر إنسانية، فالقسوة التي رآها الابن في الطفولة تحولت بعد سنوات إلى معنى آخر، وصار عادل إمام يقرأها باعتبارها خوفًا عليه وحرصًا على مستقبله، لا مجرد شدة عابرة.
وفي مقابل الأب، تظهر الأم بوصفها "ست الكل" في حياة عادل إمام، فقد قال في لقاء سابق على التليفزيون، إن والدته كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تمتلك "حسًا ثقافيًا رهيبًا"، وكانت دائمة البحث عن سعادة أسرتها، ودائمة الدعاء له بعبارة ظلت لصيقة بسيرته "ربنا يحبب فيك خلقه"، هذه الجملة تصلح لتفسير العلاقة الخاصة بين عادل إمام والناس، فهو يرد جانبًا من محبة الجمهور إلى دعوة أم لا تملك تعليمًا رسميًا، لكنها تملك يقينًا فطريًا بأن محبة الناس رزق كبير.
ولم يكن حديثه عن الأم حديثًا عابرًا في مناسبة عاطفية، فقد عاد إليها في أكثر من لقاء، وفي فيديو منشور لقناة الحياة من برنامج "واحد من الناس"، جاء على لسانه أن أمه كانت "أحلى حاجة" في حياته، وكانت دائمًا تقول له "ربنا يحبب فيك خلقه"، وهي صيغة تكشف حجم حضورها في وعيه، وتوضح أن الأم عند عادل إمام لم تكن مجرد ذكرى عائلية، بل كانت مصدرًا للشعور بالأمان، ومفتاحًا لفهم علاقته بنفسه وبالناس.
وتبلغ صورة الأم ذروتها في حديثه عن رحيلها، فكما ورد في تقرير "الوطن" عن اللحظات الصعبة في حياة الزعيم، قال عادل إمام عن والدته إنها كانت لا تقرأ ولا تكتب، لكن لديها حسًا ثقافيًا غريبًا، وكان يحترمها الجميع، ثم تحدث عن وفاتها قائلًا إنه شعر بأنه فقد أكبر وأغلى حب في حياته، وإنه لم يستطع البكاء إلا بعد شهر، حين كان يقود سيارته في الثالثة فجرًا، فتوقف فجأة في الشارع وانفجر في البكاء من أجلها.
ومن بين ما يمكن الوقوف عنده أيضًا أن حكاية الأب والأم في حياة عادل إمام تصنع ثنائية واضحة، الأب يمثل الهيبة والانضباط والجذر الريفي وخفة الدم المستترة خلف الجدية، والأم تمثل الحنان والدعاء والحضور الصامت الذي يحرس الابن في غيابه وحضوره، ومن هذه الثنائية خرج عادل إمام كما عرفه الناس، فنان قادر على السخرية، لكنه مشدود إلى قيمة الأسرة، قادر على التمرد فوق الخشبة، لكنه يحمل داخله أثر بيت شديد في التربية، قادر على الضحك، لكنه كلما ذكر أمه انكسر صوته أمام معنى الحب الأول.
















0 تعليق