الفتاة الشابة مع إبريق الماء.. قصة جديدة لـ شيماء بن عمر

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

الطريق نحو الجحيم معبّدٌ بالنوايا الحسنة.. هذا كل ما كان يهيمن على ضجيجها الصامت وهي في قاعة الانتظار داخل عيادة الأسنان في إحدى الضواحي الجنوبية.

لم تستطع الاهتداء لمن تنسبُ هذه العبارة تحديدًا. أهو الكاتب صامويل جونسون؟ ..أم تراهُ ذلك القديس من العصور الوسطى؟ ما كان اسمه؟!

آه!..لا تستطيعُ التركيز...رائحة الأثير تطغى على كل شىء، رأسها، جسدها وحتى على الألم الذي ينخرُ فكها الأيسر... حسنا، لم تكن رائحة بالمعنى الدقيق بل أشبه بأثرٍ كيميائي شفاف عالقٌ بين الوعي الأحلام، أثر حلو، بارد قليلاً ومنعش بشكلٍ غريب ويبدو أيضا سامّاً وهادئاً في نفس الوقت.

نٌودِيَ بِاسمها... أخيرًا.!!

نهضت من كرسيّها غيرالمريح نحو قاعة الفحص تتقدمها ممرضة سمراء ذاتِ خصلاتٍ سوداء طويلة ناعمة وعيونٍ كبيرة مبتسمة ترتدي سكراب طبي بلون زهري خجول يبعث بعض الحياة على رتابة المكان، فتحت لها الباب ببطء لتدلف إلى الداخل.

بدت الغرفة الداخلية أكثر بياضاً وكآبة والرائحة أشدّ حدة... استقبلها طبيب الأسنان وأرشدها نحو كرّسي الفحص والذي كان بارداً بشكل مريح... رمت بكلّ وزنها عليه من الألم والتعب وكانها إحدى عمّال المناجم...هاهي أضواء صغيرة فوقها بدت كأنها عيون متحركة تخترقُ كل زوايا روحها...أغمضت جفنيها وأحسّت بوخز إبرة التخدير مع بعض كلمات مطمئنة مقتضبة تأتي من فوق رأسها... وفي تلك المسافة القصيرة بين الوعي واللاوعي، شعرت أن شيئًا ما في داخلها ينسحب بهدوء ليعود بذاكرتها دون إذن منها، إلى تفاصيل دقيقة:

هولا يرفع صوته كثيرًا بل ينسحب ،لا يصرخ بل يزداد مقتاً لها بكل جوارحه في كل مرة تاخذ بيده لتساعده!... الكراهية في حضوره كانت تتخذ هيئة أشد فتكًا... نفورٌ من كل ما تمثله هي ..كانت تُساعده حين يتعثر، فيزداد انغلاقًا وتواسيه حين ينهار، فيبدو كأنه ينهض ليبتعد عنها أكثر...تُحاول أن تحبه أكثر… فيزداد هو تبرمًا من هذا الحب نفسه، وكأن دِفئها يفضح شيئًا لا يريد رؤيته في ذاته: يفضحُ كل ما ينقصهُ في حضورها وكانت تلك هي الكارثة! حُبها كان كثيفاً، حاضرًا ومُصرّا على الإنقاذ..

بين صوت الأدوات السنيّة وضجيج كل مالا يُقال بقيَ ذهنها يبحث عن مخرجٍ من هذا التراكم الثقيل والمُحرِج. فتحت عينيها وهناك على الجدارالمقابل ...لوحة.

امرأة في ضوءٍ هادئ تُلامِسُ أناملها نافذةً نصف مغلقة وكأنها على وشكِ فتح العالم بأسرهِ فالضوء لا يغمرالغرفة بعنف، بل يتسلل ببطء، يلامس القماش الأبيض، ثم ينكسر فوق الإبريق المعدني والطاولة الفارسيّة المزخرفة...لا شىء صارخ...لا شيء يطلب الانتباه ... كانت اللوحة تفرض حضورها كهمسٍ طويل أو كصلاةٍ خاشعة... وكانت هذا ما تعشقهُ في كل لوحات يوهان فيرمير... فهولا يرسمُ الصخب أوالكلام أو المعارك أو ساحات الوغى.. بل ينسجُ صمتاً بصرّياً وهدوءاً حميميا واستعمالاً عبقريا للفراغ بدقة تكادُ تكون معماريّة...

هكذا كان يجبُ عليها أن تُحبهُ : كَفِيرمير!

أحسّت بأنامِل باردة تهزّكتيفيها حين فتحت عينيها البندُقيتين في فزعٍ ودهشة. كانت الممرضة تحبسُ أنفاسها أما الطبيب فكان يحدق بها لحظة أطول من اللازم ... بمزيجٍ من القلقِ والفضول ... وكأنه يستعد للنهوض من مقعده وتخلّى عن الفكرة فجأة!

لم تفهم فورًا ما حصل .. أكان حلما أم شيئا يشبهُ.. لم تستطع تحريك وجهها... كان الخدرُشديداً ولكن الألم اختفى كليٍا.

هاهي أمام العيادة... يبدو الهواء مختلفاً ومنعشا على الرغم من حرارة الطقس. خطت خطوات بطيئة نحو الطريق الرئيسي وهي تتردد في تلعثم: "لقد كان القديس برنارد دو كليرفو... أليس كذلك؟"

أخبار ذات صلة

0 تعليق