.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في مشهد ثقافي يفيض بالرمزية والدلالة، تعود روح الشاعر السكندري الكبير قسطنطين كفافيس إلى أثينا، لا كذكرى عابرة في كتب الأدب، بل كحضور حي نابض في قلب المدينة. إنها عودة لا تتحقق بالكلمات هذه المرة، بل تتجسد في البرونز، وتتنفس في فضاء حضري مفتوح، حيث يلتقي الفن بالحياة، والذاكرة بالواقع، من خلال تمثال أهدته مؤسسة أوناسيس بالتعاون مع بلدية أثينا.
يقف التمثال—أو بالأحرى يجلس—على ممشى شارع ديونيسيو أريوباجيتو، ذلك الشريان الثقافي الذي يربط بين التاريخ والحاضر، بين آثار الحضارة الكلاسيكية ونبض المدينة المعاصرة. لكنه لا يفرض نفسه كأثر صامت، بل يدعو المارة إلى الاقتراب، إلى الجلوس، إلى المشاركة في لحظة تأمل إنساني عميق. هنا، لا يكون كفافيس موضوعًا للمشاهدة، بل شريكًا في التجربة.
لقد كانت أثينا، في وجدان كفافيس، مدينة الرغبة والرهان. مدينة ذهب إليها بقلب مفعم بالتوقع، كما يذهب المؤمن إلى مقام مقدس. وفي مطلع القرن العشرين، ترك لنا في يومياته إشارات حميمة إلى علاقته بهذه المدينة؛ كان يتأمل قوس هادريان، ويقف أمام نصب ليسيكراتس، ويعيد قراءة التاريخ في ضوء الحاضر. لم تكن أثينا بالنسبة له مجرد جغرافيا، بل كانت اختبارًا للذات، ومساحة للاعتراف، ومرآة يرى فيها صدى صوته الشعري.
العمل الفني الذي أنجزه النحات براكسيتليس تزانوليس يبتعد عن النزعة الاحتفالية التقليدية، ويتجه نحو البساطة العميقة. كفافيس هنا ليس في وضع بطولي، بل في حالة إنسانية خالصة: جالس، متأمل، منفتح على العالم. التمثال بالحجم الطبيعي، مصنوع من البرونز، لكن روحه تتجاوز المادة، مستندًا إلى صورة فوتوغرافية التُقطت له في شقته بالإسكندرية، حيث كان يعيش بين العزلة والتأمل، بين الواقع والحلم.
التفاصيل الدقيقة—كنظارته التي أُعيد إنتاجها بتقنيات المسح ثلاثي الأبعاد—تُضفي على العمل صدقًا بصريًا، بينما تمنحه الإضاءة، التي صممتها إلفثيريا ديكو، بعدًا دراميًا متغيرًا، يجعله في حوار دائم مع الضوء والظل، مع النهار والليل، مع الزمن ذاته. أما المعماري جورجوس بارمينيديس، فقد أعاد تشكيل الفضاء المحيط، ليخلق بيئة حضرية متكاملة تدعو إلى التوقف، إلى الجلوس، إلى التفكير—وهي أفعال نادرة في عالم سريع الإيقاع.
ولا يمكن إغفال البعد الثقافي الأوسع لهذا المشروع، الذي يشمل أيضًا ترميم تمثال ميلينا ميركوري، في محاولة لإعادة صياغة المشهد البصري للمكان، وخلق حوار بين رموز الثقافة اليونانية الحديثة، حيث يلتقي الشعر بالسينما، والفكر بالفعل.
ويحضر في خلفية هذا العمل صوت الأديب إي. إم. فورستر، الذي رأى في كفافيس ذلك الرجل “المنحرف قليلًا عن الكون”، وهي عبارة تختزل جوهر شاعر عاش على الهامش، لكنه كتب في صميم التجربة الإنسانية. كفافيس لم يكن شاعرًا للجموع، بل شاعر اللحظات الخفية، للهمسات، للذكريات التي لا تُقال، وللرغبات التي تُخفى.
إن هذا التمثال لا يُخلد كفافيس بقدر ما يُعيد اكتشافه. إنه لا يضعه في الماضي، بل يعيده إلى الحاضر، إلى الشارع، إلى الناس. إنه يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للفن أن يُعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وذاكرته؟ كيف يمكن لتمثال أن يُعيد الحياة إلى شاعر؟
وهكذا، يعود كفافيس إلى أثينا، لا كضيف، بل كمقيم دائم في وجدانها. يجلس في صمت، يراقب المارة، يشاركهم لحظاتهم العابرة، ويهمس—كما لو كان يكتب قصيدة جديدة—أن الخلود الحقيقي لا يُصنع من البرونز، بل من الكلمات التي تظل قادرة على أن تُلامس الروح، جيلاً بعد جيل.

















0 تعليق