نازلي مدكور.. 45 عامًا من مديح الطبيعة وسحر الخامة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يأتي المعرض الاستعادي الحالى للفنانة التشكيلية الكبيرة نازلي مدكور ليس كمجرد عرض للوحات فنية، بل كرحلة بصرية توثق ما يقرب من نصف قرن من البحث الدؤوب في جوهر "الكينونة" وعلاقة الإنسان بالأرض، هذا المعرض، الذي يختزل 45 عاماً من الإبداع، يأتي في توقيت مثالي ليتوج مسيرة استثنائية حُفرت في وجدان الحركة التشكيلية المصرية، خاصة بعد نيلها المستحق لـ جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2025.

لم تكن نازلي مدكور يوماً فنانة نمطية، فمنذ بداياتها في أوائل الثمانينيات، اختارت أن تشق طريقاً يعتمد على "الذكاء العاطفي" للريشة. هي فنانة تدرك أن اللوحة ليست مجرد تمثيل للواقع، بل هي إعادة صياغة ميتافيزيقية له.

تميزت تجربتها بالانقسام إلى مراحل فنية متداخلة، يمكن رصد أبرز ملامحها في المعرض الحالي

مرحلة التكوين والتشخيص الرمزي: حيث كانت الشخوص تبرز وسط الطبيعة، محملة بظلال من التراث المصري القديم بلمسة معاصرة.

مرحلة الانغماس في الطبيعة (عضوية التجريد): وهي المرحلة الأطول والأكثر نضجاً، حيث تحولت الأشجار، والزهور، والصخور إلى كتل لونية تعبيرية. في هذه المرحلة، لم تعد نازلي ترسم "الشجرة" بل ترسم "روح النمو" و"قوة الأرض".

مرحلة التجريد الغنائي والبحث في الخامة: حيث أصبحت المادة (Texture) بطل العمل، استخدمت الفنانة خامات متنوعة ووسائط مختلطة تعطي للوحة بعداً ملموساً، وكأنها قطعة من لحاء شجر أو جدارية عتيقة قاومت الزمن.

 

فلسفة اللون والضوء

في أعمال نازلي مدكور، نجد احتفاءً خاصاً بـ "الضوء الداخلي"، الألوان عندها لا تأتي من مصدر ضوء خارجي، بل تبدو وكأنها تشع من قلب القماش.

البالتة اللونية: تتراوح بين الألوان الترابية الدافئة التي تعكس طمي النيل وصحراء مصر، وبين الفيروزيات والأخضر الزمردي الذي يبعث الحياة في التكوين.

التكوين: يعتمد على التوازن الدقيق بين الفراغ والكتلة، مما يمنح المشاهد شعوراً بالراحة البصرية والرهبة في آن واحد.

جاء حصولها على جائزة التفوق عام 2025 ليؤكد أن المشروع الجمالي لنازلي مدكور لم يتوقف عند حدود الجماليات البصرية، بل امتد ليكون توثيقاً فنياً للهوية المصرية في أبعادها الكونية، إنها فنانة نجحت في تحويل "المنظر الطبيعي" من مجرد تصوير فوتوغرافي إلى حالة صوفية من التأمل، فالفن عند نازلي مدكور هو فعل مقاومة ضد النسيان، ومحاولة مستمرة لاستعادة صلتنا بالأرض التي نبتنا منها، والمعرض الاستعادي الحالي لنازلي مدكور ليس مجرد احتفال بالماضي، بل هو درس للأجيال الجديدة في الدأب والإخلاص للتجربة، فهو يجسد أكثر من أربعة عقود من "الصدق الفني"، مؤكدا أن الريشة حين تسترشد بالرؤية الفلسفية، تصبح قادرة على خلق عوالم لا تفنى بمرور الزمن.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق