صلاةُ الوَداع قصيدة أحمد عبد القادر فى ملتقى بيت الشعر العربى

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يستعد بيت الشعر العربي، بإدارة الشاعر سامح محجوب، لإطلاق الدورة الثانية من ملتقى بيت الشعر العربي للنص الجديد، وذلك خلال يومي 2 و3 مايو، في إطار استكمال التجربة التي حققت حضورًا لافتًا في المشهد الثقافي خلال دورتها الأولى.

صلاةُ الوَداع  لـ  أحمد عبد القادر
 

في غابةِ الدُّنيا:
بَكى جِذعٌ
فَفَرَّ الفَأسُ مِنْ حَطّابِهِ

في غابةِ الإنسانِ:
ذِئبٌ نائمٌ،
وإذا.. دَمٌ كَذَبَ على أَنْيابِهِ!

هُم عُصْبَةٌ،
والذِّئبُ يَعوي وَحْدَهُ،
وقَميصُ "يوسفَ" غارِقٌ بِخِضَابِهِ

طِفْلٌ نَبِيٌّ؛
كان يُبْصِرُ حُلْمَهُ
فَيَقُصُّهُ سِرًّا على أَلْعابِهِ

يَتَحَسَّسُ الدُّنيا بِكَفِّ فَراشَةٍ
وَيُنَادِمُ الأَقمارَ فوقَ سَحابِهِ

فَيَرى شُموسًا راكِعاتٍ حَوْلَهُ
ويَرى كَواكِبَ ساجِدينَ بِبابِهِ

ويَرى شِهابًا ثاقِبًا
مُتَرَبِّصًا بِالسّارِقينَ السَّمْعَ مِن أَتْرابِهِ

لَمْ يَعْتَزِلْهُمْ..
رُبَّما لَمْ يَفْهَمُوهُ،
ورُبَّما لَمْ يُؤمِنُوا بِعَذابِهِ

سَمَّوْهُ: مُنْطَوِيًا،
ولَمْ يَتَكَلَّفوا أَنْ يَسْأَلوا المِسْكينَ عن أَسْبابِه

شَرُّ البَليَّةِ في الدُّنَى يا صاحِبي
أَنْ يُبْتَلى الإنسانُ في أَصْحابِهِ

كَمْ كانَ يَرْجو أَنْ يَكونَ لَهُ أَخٌ
فَرِحٌ بِفَرْحِ أَخيهِ
لا بِمُصَابِهِ

لكنَّها الدُّنيا، وذلكَ فِعْلُها
عَجَزَتْ شُيوخُ النَّحْوِ
عن إِعْرابِهِ

فَإِلى مَتى سَيَظَلُّ يُحْسِنُ ظَنَّهُ
ويَعودُ مُنْقَلِبًا على أَعْقابِهِ؟

قَدْ أَنْكَرَتْهُ الأَرْضُ، إِلّا فُسْحَةً..
كالغَارِ
أَوْ كالكُوخِ بَعْدَ خَرابِهِ

يَأْوي إِلَيْها كُلَّما وَقَفَ الكَلامُ بِحَلْقِهِ
أَوْ فاقَ حَدَّ نِصابِه

يَمْشي، فَتُزْعِجُهُ جَميعُ الكائِناتِ..
كَأَنَّها تَمْشي على أَعْصابِهِ

أَسْرابُ أَسْئِلَةٍ تَحُومُ بِرَأْسِهِ
وتَشُدُّهُ الأَفْكارُ مِن أَثْوابِه

لَمْ يَلْتَفِتْ لِلشِّعْرِ
إِلّا حينَما وَجَدَ الكَلامَ يَضيقُ عن كُتّابِهِ

"ضاقَتْ رُؤاهُمْ" عِنْدَما "اتَّسَعَتْ عِباراتُهُمْ"
فَفَسَّرَ ماءَهُمْ بِسَرابِهِ

لَمْ يَنْتَظِرْ شَيْطانَهُ حَتّى يَجيءَ
سَقاهُ رَبُّ الشِّعْرِ مِن أَعْنابِهِ

كُوبًا فَكُوبًا...
لَمْ يُضَيِّعْ قَطْرَةً،
شَرِبَ الخَيالَ، وذابَ في أَكْوابِهِ

العَيْنُ سِجْنٌ
والرُّؤى عُصْفورَةٌ
ولِذا يَفِرُّ الحُلْمُ مِن أَهْدابِهِ

بِالكادِ يُبْصِرُ ذِئْبَهُ وقَميصَهُ
وأَباهُ مُنْتَظِرًا وُصولَ خِطابِهِ

يَرْنو إِلى الأُفُقِ الحَزينِ،
مُفَتِّشًا عن ضِحْكَةٍ ضاعَتْ وَراءَ ضَبابِهِ

فَيَرَى المَلَاكَ
كَأَنَّ حُزْنًا مُحْكَمًا نَسَخَ ابْتِسامَةَ فَرْحِهِ المُتَشابِهِ

يَجْري...
ولا حِضْنٌ خَديجِيٌّ هُنا
يُلْقي مَواجِعَهُ على أَعْتابِهِ

حَتّى الَّتي تَرَكَ المَلاكَ لِأَجْلِها
سابَتْ يَدَيْهِ، فشاخَ قَبْلَ شَبابِهِ

أَقْمارُهُ خَسَفَتْ
وشَمْعَتُهُ انْطَفَتْ
ورِياحُهُ لَعِبَتْ بِعُودِ ثِقابِهِ

في كُلِّ وادٍ هامَ، لَكِنْ لَمْ يَصِلْ
وتَعَلَّقَ الغاوونَ في جِلْبابِهِ

مَطَرٌ على شُبّاكِهِ،
وكَأَنَّما تَبْكي السَّماءُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَهابِهِ

صَلّى صَلاةَ العابِرينَ،
وبَعْدَها خَلَعَ القَميصَ...
ونامَ في مِحْرابِهِ

لَمْ يَنْتَظِرْ ميعادَ "عَزرائيلَ"
راحَ لِـ"مالِكٍ"، وسَجى على أَبْوابِهِ

أَوْصى غُرابًا أَنْ يَقومَ بِدَفْنِهِ؛
قابيلُ: مُنْشَغِلٌ، ولَيْسَ بِآبِهِ

والأَصْدِقاءُ:
تَباعدوا، وتَقَرَّبوا، وتَفَرَّقوا...
كُلٌّ وَراءَ شَرابِهِ

سَمَّوْهُ: مُنْتَحِرًا
تَظاهَرَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الإلـهِ، وطالَبوا بِعِقابِهِ

قالوا: تَدَفَّقَ مِن شَرايينِ الفَتى خَمْرٌ
سَكِرْنَا نَحْنُ مِن أَنْخابِهِ

لَو أَنَّهُمْ سَبَقوهُ.. لانْتَظَروا على الأَعْرافِ
حَتّى يَشْمَتوا بِحِسابِهِ

"هو عِنْدَ رَبِّ الناسِ"، قالَتْ أُمُّهُ،
واللهُ لا يَقْسو على أَحْبابِهِ

الآنَ يَصْعَدُ هادِئًا؛
مُسْتَلْقِيًا فوقَ السَّحابِ
ومُمْسِكًا بِكِتابِهِ

اصْعَدْ ورَتِّلْ..
كُلَّما قَرَأَ ارْتَقى
ورَأى جَمالَ اللهِ خَلْفَ حِجابِهِ

الآنَ يَصْعَدُ مُخْلِصًا لِسُؤالِهِ
وغَدًا يَعودُ مُبَشِّرًا بِجَوابِهِ

ويَظَلُّ يَصْرُخُ: "إِنَّني باقٍ"
ويَشْهَدُ كُلُّ شَيءٍ حَوْلَهُ...
بِغِيابِه

 


احمد عبد القادر

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق