لم يكن هو ممّن يُضيّعون الأشياء من أيديهم؛ كان مسالمًا، حتى لمن ظلمه. قلبه طفلٌ لا يعرف إلا الحب، ويرتجف إذا ابتعدت عنه الأيدي. كنتُ أراه كذلك دائمًا، وأظنّ أن ما بيننا محصّنٌ ضدّ التآكل، حتى بدأ يتآكل فعلًا، في صمتٍ لا يُرى.
لم يحدث شيءٌ كبير. لا خطأ فادح، ولا خيانة، ولا انهيار مفاجئ. فقط أشياء صغيرة، تتراكم: كلماتٌ لا تُقال، ونظراتٌ لا تلتقي، وصمتٌ يطول حتى يصير لغةً كاملة. كنتُ أحاول أن أستعيد ما كان، أن أمدّ يدي إلى تلك الأيام التي ما زالت الذاكرة تحتفظ بها بين الضلوع، لكن الضلوع نفسها صارت قضبانًا، تضيق بما فيها.
صرنا نقف في مواجهة بعضنا، بلا حركة. وإذا هبّت العواصف، مال كلٌ منا نحو الآخر، دون أن يلتقي به. كانت العيون تقع على كل شيء، إلا عينيه.
مرّت السنوات، والجرح ينزف في صمت. كنا نسير فوق دمنا، نرسم به طريقًا لا يقود إلى شيء. أحياء لغيرنا، موتى لبعضنا.
وفي مساءٍ بدا كأنه آخر ما تبقى لنا، قلتُ له:
— لنذهب إلى البحر.
نظرتُ إليه كأنني أستدعي زمنًا كاملًا، لا نزهة. تردّد لحظة، ثم وافق، كمن يوقّع على محاولة أخيرة لا يؤمن بها.
جلسنا حيث كنا نجلس قديمًا. البحر أمامنا، واسعٌ كما كان، لكن الضوء بدا واهيًا، والماء أثقل مما يُحتمل. لم يكن المكان هو الذي تغيّر، كنا نحن.
قلتُ، وأنا أحدّق في الأفق:
— هل تذكر؟
لم يجب. كان صمته هذه المرة مختلفًا؛ صمتًا لا ينتظر أن يُكسر. التفتُّ إليه، فوجدته ينظر بعيدًا، كأنني خارج المشهد.
ثم قال، دون أن يلتفت:
— أتعبني أن أتذكّر.
توقّف شيءٌ في داخلي. لم تكن الجملة قاسية، لكنها كانت حاسمة، كأنها تُغلق بابًا لم أكن أجرؤ على الاعتراف بوجوده.
قلتُ بعد لحظة:
— وأنا أتعبني أن أحاول.
للمرة الأولى منذ زمن، نظر إليّ. لم يكن في عينيه غضب، ولا حزن، فقط فراغٌ هادئ. عندها فهمتُ أن ما انطفأ، لم ينطفئ فجأة، بل استهلكناه معًا، يومًا بعد يوم، حتى لم يبقَ منه ما يُشعل.
جلسنا طويلًا، بلا كلام. لا عتاب، ولا دموع. فقط ذلك الإدراك البارد: أننا لم نعد نحاول، وأننا—ربما—لا نريد أن نحاول.
حين نهضنا، لم نقل إن كل شيء انتهى. لم نحتج إلى ذلك. كان واضحًا بما يكفي.
بعدها، صار البيت أوسع مما ينبغي، والصمت أعمق. لم نتشاجر، ولم نتصالح. فقط بدأ كلٌ منا ينسحب، بهدوءٍ حذر، كأننا نخشى أن نوقظ شيئًا نعرف أنه مات.
ثم سافر. دون وداع. لم تتلامس الأيدي للمرة الأخيرة؛ كأنها فقدت وظيفتها. وكان في داخلي شيءٌ يشبه الراحة، وشيءٌ آخر يشبه الخوف. راحةٌ لأنه رحل، وخوفٌ لأنه قد يعود.
مرّت أربعة أشهر، ولا صوت.
اعتدتُ الصمت، بل خفتُ كسره. أخاف أن يرنّ الهاتف يومًا، فأسمع صوته يسأل عني. لا لأنني أشتاق، بل لأنني لا أريد أن أبدأ من جديد ما أعرف نهايته.
حتى ذكرى زواجنا مرّت، ولم يتصل. وأظنه—مثلي—فهم أخيرًا.
أفكّر أحيانًا: هل كانت الغربة هي التي فعلت بنا ذلك؟ أم أننا كنّا نؤجّل اكتشافها فقط؟
لا جواب.
كل ما أعرفه أننا كنا كيانًا واحدًا، نظنّه ثابتًا… ثم اكتشفنا، متأخرين، أنه كان يتفكك بصمت.
الآن، أنا هنا، وهو هناك.
لا شاي الفجر يجمعنا، ولا حديث يمتد بيننا. الذكريات وحدها تدور، ككؤوسٍ فارغة، نرتشف منها ما تبقى، ثم نعيدها إلى الفراغ.
وحين أسأل نفسي:
هل أتمنى عودته؟
أصغي جيدًا…
فلا أسمع إلا هذا الصمت،
وقد صار—هو الآخر—قرينا.
خالد دومة يكتب: غُربة (قصة قصيرة)
خالد دومة يكتب: غُربة (قصة قصيرة)














0 تعليق