غالبًا ما يكره الناس من يُظهر لهم سُقم أفكارهم، وما يعتريها من نقصٍ وجمود؛ فيتحاشون مجالسة من يكشف ذلك أو مناقشته، لأن في حضوره انتقاصًا منهم، وتعريّةً لعورات أفكارهم وأخلاقهم التي طالما سعوا إلى سترها. وهم لا يريدون مواجهتها، بل يخدعون أنفسهم دائمًا بأن ما ورثوه من أفكار هو عين العقل، دون أن يحللوا مضمونه أو يواجهوا ما فيه من قصور.
أما الذين يستجيبون لآرائهم دون جدال، فهم أقرب إلى قلوبهم ومجالسهم؛ إذ يمنحونهم قدرًا من الثقة بالنفس، ووهمًا باحترام عقولهم، على الرغم من تفاهتها وسطحيتها. فخداع النفس أهون لديهم من مواجهتها بالقصور. فالإنسان الذي لم يعتد النقد، ولم يتقبل آراء مخالفيه، يظل غالبًا أسير أفكاره، أعمى عنها، لا يرغب في تغييرها أو المساس بها.
لا يكره الناس الحقيقة لذاتها، بل يكرهون تلك اللحظة التي تنقلب فيها الحقيقة مرآةً، فترِيهم وجوههم كما هي، لا كما ألفوا أن يتخيلوها. هنا تنمو الطمأنينة الكاذبة، وتُمنح العقول أوسمةً لا تستحقها، وتُغذّى السطحية حتى تظن نفسها عمقًا.
كما أن كثيرًا من الناس لا يرتاحون لسماع المدح عن الآخرين؛ فإذا كانوا أصحاب أخلاقٍ دمثة وتربيةٍ وذوقٍ عالٍ، سارعوا إلى القدح فيهم, ذلك لأن الفضيلة تميز صاحبها، وترفعه في أعين الناس، وهم أعجز من أن يبلغوا منزلته. فيتلقّون سيرته بما ينبع من نفوسهم، فيسلبونه كل ميزة، ويحوّلون صفاته الحسنة إلى تهم: رياء، أو كِبر، أو غير ذلك.
إن الفراغ العقلي والنفسي الذي يعانيه كثير منهم يدفعهم إلى هدم ما عجزوا عن اكتسابه؛ فالفضيلة أعجز لهم من أن تكون سلوكًا، فيجعلون منها شبهة. يجدّون في تشويه الآخرين عزاءً لأنفسهم الهابطة. فالفضيلة حين تعجز النفوس عن بلوغها، تتحول في أعينهم إلى تهمة، وفي ألسنتهم إلى شبهة.
وهم يعملون على اقتلاع الصفات الحسنة من جذورها، فيعيدون تفسير النقاء كأنه قناعًا للمداراة، والصدق نوعا من السذاجة، والتواضع ضعفًا وخور. لكن من يضق بفضائل غيره لا يطفئ بريقها، ولا يمحو أثرها في نفسٍ تُدرك الخير وتأنس به وتسعى لنشرها بين الناس؛ بل يكشف عن عجزه هو عن إدراكها والتخلق بها.













0 تعليق