يشير خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى أن المصرى القديم قسّم السنة إلى ثلاثة فصول طبقًا لطبيعة حياته الزراعية وهي: فصل الفيضان، وبذر البذور، وفصل الحصاد أو الربيع، وتعد احتفالات عيد حصاد القمح في مصر تراثًا عميقًا يعود إلى العصور القديمة، حيث يرتبط هذا العيد بفصل الحصاد الذي يمتد من فبراير إلى يونيو، ويمثل القمح الطعام الرئيسي للمصريين وأساس وجباتهم من الخبز.
أصل تسمية شم النسيم
وفى دراسة أثرية للباحث الآثاري عماد مهدى تقدم تفسيرًا جديدًا لأصل تسمية شم النسيم بأنها كلمة مصرية قديمة خالصة مرت بتطور عبر الزمن وكتبت في مصر القديمة (شم – سم) ثم نطقت في القبطية (شوم سيم) حتى وصلت إلينا شم النسيم مستندًا على تفسير حرف (ش) في اللغة المصرية القديمة والتي تكتب بشكل مستطيل يرمز الى بركة المياه التي تتوسط الحدائق وكلمة (شم) تعنى أخرج أو أنزل أو تحرك وتم ربط مخصص أسفله لقدم إنسان مما تفيد الخروج إلى البركة.
وكلمة (سم) تعنى نباتات أو بستان ورسم المخصص للكلمة حزمة من النباتات مما يتوافق مع اهتمام المصرى القديم بالحدائق والزهور وتصويرها على جدران المقابر مثل مقبرة الكاتب نب أمون من تصوير أزهار اللوتس طافية على سطح الماء لبحيرة تتوسط حديقة بها أسماك ويحيط بالبحيرة شجر الجميز والدوم والتين الشوكي والنخيل.
وعرفت مصر القديمة مهنة كبير البستانيين ومنسق الزهور المقدسة وهو (مين نخت) الذى عاش في عهد الملك أمنحتب الثالث وكان يدعى بستاني القرابين المقدسة لآمون كما صور في مقبرته بطيبة أجمل باقات الزهور المصرية وهو أكبر مشتل زهور مصور في الآثار المصرية.
ويتابع الدكتور ريحان بأن قدماء المصريين احتفلوا بالإعلان عن ذلك اليوم بليلة الرؤيا حيث يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم الأكبر فى الساعة السادسة من ذلك اليوم حين يظهر قرص الشمس قبل الغروب وخلال دقائق محدودة وكأنه يجلس فوق قمة الهرم، وكان يشطر ضوء الشمس وظلالها واجهة الهرم إلى شطرين، وهى الرؤيا الخاصة بعيد بعث الحياة، والذى احتفل به المصري القديم منذ عام 2700 ق.م فى أواخر الأسرة الثالثة
المأثورات الشعبية
ينوه الدكتور ريحان إلى المأثورات الشعبية المرتبطة بموسم الحصاد ومنها تناول البصل منذ أواسط الأسرة السادسة وارتبط ظهوره بما ورد في إحدى أساطير منف القديمة أن أحد ملوك مصر القديمة كان له طفل وحيد وكان محبوبًا من الشعب وقد أصيب بمرض غامض أقعده عن الحركة وعجز الأطباء والكهنة والسحرة عن علاجه ولازم الفراش عدة سنوات واستدعى الملك لعلاج الطفل الكاهن الأكبر لمعبد آمون فنسب مرضه إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر وأمر الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من ثمار البصل تحت رأس الطفل في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها عند شروق الشمس ووضعها فوق أنفه ليستنشق عصيرها.
وطلب الكاهن منهم تعليق حزم من أعواد البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرفة وبوابات القصر لطرد الأرواح الشريرة وشفى الطفل وأقام الملك الأفراح في القصر لأطفال المدينة ولما حل عيد شم النسيم بعد أفراح القصر بعدة أيام قام الملك وعائلته وكبار رجال الدولة بمشاركة الناس في العيد وتعليق حزم البصل على أبواب دورهم.
ويعد البيض الملون والذى أطلق عليه الأوروبيون بيض الشرق يرمز إلى خلق الحياة كما ورد في متون كتاب الموتى وأناشيد أخناتون "الله وحده لا شريك له خلق الحياة من الجماد فأخرج الكتكوت من البيضة"، ونقش البيض وزخرفته ارتبط بعادة قدماء المصريين نقش الدعوات والأمنيات على البيض ثم يجمعون البيض ويضعونه في سلال من سعف النخيل، ويعلقونه في شرفات المنازل وفي أغصان الأشجار في الحدائق حتى يسطع عليها إله الشمس "رع" بأشعته فتنال بركة الإله حسب معتقداتهم فتتحقق دعواتهم، وكانوا يبدءون العيد بتناول البيض، وهي عادة ظلت متوارثة حتى الآن، وقد إتبع هذا التقليد في جميع أنحاء العالم، حتى أن الغربيين أطلقوا على البيض في شم النسيم "بيضة الشرق" نسبًة لقدوم تلك العادة من الشرق وتحديدًا من مصر، وكان الفسيخ (السمك المملح) من بين الأطعمة التقليدية في شم النسيم منذ الأسرة الخامسة عندما بدأ الاهتمام بتقديس النيل نهر الحياة حيث ورد في متونه المقدسة أن الحياة في الأرض بدأت في الماء ويعبر عنها بالسمك الذى تحمله مياه النيل من الجنة حيث ينبع حسب المعتقد المصرى القديم.
وذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت أن قدماء المصريين كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة وكانوا يفضلون نوعًا معينًا لتمليحه وحفظه للعيد أطلقوا عليه اسم (بور) وهو الاسم الذى حور في اللغة القبطية إلى (يور) وما زال يطلق عليه حتى الآن.
ولفت الدكتور ريحان إلى أن الخس عرف منذ الأسرة الرابعة وكان يقدم في سلال القرابين وعلى موائد الاحتفال بالعيد وكان يسمى بالهيروغليفية (عب) كما اعتبره المصريون القدماء من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود (من) إله التناسل ويوجد رسمه منقوشًا دائمًا تحت أقدام المعبود (من) في معابده ورسومه، وأمّا الملانة وهى ثمرة الحمص الأخضر أطلق عليها (حور – بيك) أى رأس الصقر لشكل الثمرة التى تشبه رأس حور الصقر المقدس وقد ذكر الخس والملانة في البرديات الطبية وكانت الفتيات يصنعن من حبات الملانة الخضراء عقودًا وأساور يتزين بها في الاحتفالات بالعيد كما يقمن باستعمالها في زينة الحوائط ونوافذ المنازل في الحفلات المنـزلية.
وكان من بين تقاليد شم النسيم المصرية القديمة التزين بعقود زهور الياسمين وهو محرف من الاسم المصرى (ياسمون) وكانوا يصفون الياسمين بأنه عطر الطبيعة التي تستقبل به الربيع وكانوا يستخرجون منه في موسم الربيع عطور الزينة وزيت البخور الذى يقدم ضمن قرابين المعابد عند الاحتفال بالعيد.
المستشرقين والعيد
استرعى انتباه المستشرق الإنجليزي "إدوارد وليم لين" الذي زار القاهرة عام (1834م) فوصف احتفال المصريين بهذا العيد بقوله: "يُبَكِّرون بالذهاب إلى الريف المجاور، راكبين أو راجلين، ويتنزهون في النيل، ويتجهون إلى الشمال على العموم؛ ليتَنَسَّموا النسيم، أو كما يقولون ليشموا النسيم. وهم يعتقدون أن النسيم – في ذلك اليوم- ذو تأثير مفيد، ويتناول أكثرهم الغذاء في الريف أو في النيل". وهي نفس العادات التي ما زال يمارسها المصريون حتى اليوم
دمية اللنبى
يحتفل أهالى بورسعيد فى يوم شم النسيم بحرق دمية اللورد "اللنبي" المعتمد البريطانى المكروه من شعب مصر إبان ثورة 1919حيث ارتبط هذا الطقس بشم النسيم حتى الآن فتصنع دمية كبيرة الحجم وبعد الإنتهاء منها تُقام (زفة اللنبي) وتتحرك في جميع الشوارع ويجتمع الأطفال والرجال وتشاهد النساء هذه الزفة من الشرفات ويصاحب هذا الاحتفال الرقص والغناء على أنغام السمسمية والطبل والرق.
وبعد ذلك يتم حرق الدمية في الشوارع في فجر يوم شم النسيم ثم يحضرون السامر ومائدة شم النسيم حيث البيض الملون وفسيخ وخس ملانة وبصل أخضر والطماطم والفلفل والليمون وفي المساء يقومون بعمل نزهات واحتفالات على الفالوكة في البحر.













0 تعليق