- الترجمة من الإنجليزية تحتل الصدارة.. والرواية هى المهيمنة.. تليها العلوم الاجتماعية والإنسانية.. وتأخرة نقل العلوم الحديثة فى زمن الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا
فى كل مرة يمسك فيها القارئ العربى كتابًا مترجمًا، فإنه يظن أنه يفتح نافذة على العالم، لكن خلف تلك النافذة تقف شبكة معقدة من الاختيارات واللجان والتمويلات والمؤسسات التى تحدد – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – ما الذى يصل إلى القارئ العربى من أفكار العالم.
الترجمة ليست مجرد نقلٍ من لغة إلى أخرى، بل هى عملية ثقافية كبرى تُسهم فى تشكيل الذائقة الفكرية والمعرفية للمجتمع.
على مدار العقود الماضية، لعبت مؤسسات عديدة دورًا فى نقل المعرفة العالمية إلى العربية، من بينها المركز القومى للترجمة فى القاهرة، ومشروع كلمة للترجمة فى أبوظبى، والمنظمة العربية للترجمة فى بيروت، إضافة إلى سلاسل ثقافية راسخة مثل المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب فى الكويت الذى يصدر سلسلة عالم المعرفة.
لكن السؤال الذى يطرح نفسه هو كالتالى: من يقرر ما الذى يترجم؟ ومن يتحمل كلفة هذه الرحلة الطويلة من لغة إلى أخرى؟
خلال هذا التقرير نحاول تفكيك صناعة الترجمة إلى العربية من خلال تحليل قاعدة بيانات لعدد من الكتب المترجمة خلال العقد الأخير، والبحث فى آليات اختيارها وتمويلها، مع التوقف عند دور المترجمين الكبار الذين صنعوا جسورًا حقيقية بين الثقافات.
من الفرد إلى المؤسسة
لم تعد الترجمة فى العالم العربى عملًا فرديًا يقوم به مترجم شغوف، كما كان الحال فى بدايات النهضة، بل تحولت إلى مشروع مؤسسى تقوده جهات رسمية وثقافية كبرى.
فى مقدمة هذه الجهات يأتى المركز القومى للترجمة فى القاهرة، الذى يمثل أحد أكبر مشاريع الترجمة فى العالم العربى، حيث أصدر آلاف الكتب فى مجالات متعددة، مستهدفًا سد الفجوة المعرفية بين القارئ العربى والعالم.
وفى دول الخليج، يبرز مشروع كلمة للترجمة، الذى تبنى سياسة أكثر انفتاحًا على لغات مختلفة، ساعيًا إلى نقل الأدب والفكر من ثقافات متعددة، وليس فقط من الغرب، كما تلعب المنظمة العربية للترجمة دورًا مهمًا فى نقل الكتب الأكاديمية الكبرى، خاصة فى الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال دور المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب فى الكويت، الذى يقدم عبر سلسلة «عالم المعرفة» نموذجًا ثابتًا ومؤثرًا لترجمة كتاب شهرى عالى القيمة.
هذه المؤسسات تعمل وفق خطط واضحة، ما يعنى أن الترجمة لم تعد فعلًا عفويًا، بل أصبحت جزءًا من السياسة الثقافية للدولة.
من يختار الكتب؟
وراء كل كتاب مترجم، هناك عملية اختيار معقدة، فداخل المؤسسات، تشكل لجان علمية تضم أكاديميين ومترجمين وخبراء، تتولى اقتراح ومراجعة العناوين، وتعتمد هذه اللجان على معايير محددة، أبرزها: «أهمية الكتاب فى مجاله، تأثيره فى الفكر العالمى، الحاجة العربية إليه، عدم وجود ترجمة حديثة، إمكانية الحصول على حقوق النشر».
فالاختيار يعكس دائمًا رؤية ثقافية، وهنا نطرح سؤالين مهمين، الأول: ما الذى نحتاج إلى معرفته؟ والثانى: ما الذى يمكن تأجيله أو تجاهله؟
وفى المقابل، تتحرك دور النشر الخاصة وفق منطق مختلف، حيث تلعب السوق الدور الأكبر.
فالروايات الأكثر مبيعًا عالميًا، والكتب الفكرية الرائجة، تحظى بفرص أكبر فى الترجمة، وهنا تتشكل معادلة واضحة وهى أن المؤسسات تترجم ما هو مهم والسوق تترجم ما هو مطلوب، وفقًا لمجموعة دراسات.
50 كتابًا تكشف الخريطة
اعتمد تحقيقنا على تحليل عينة من 50 كتابًا مترجمًا إلى العربية بين 2015 و2025، موزعة على خمسة مجالات «الفلسفة والفكر، والتاريخ والدراسات الحضارية، العلوم، الأدب والرواية، الدراسات الثقافية».
لكن ما تكشفه هذه القائمة يتجاوز مجرد العناوين، ليصل إلى بنية الترجمة نفسها، ووفقًا للدراسات وجدنا هيمنة ترجمة اللغة الإنجليزية إلى العربية، أذ أظهرت البيانات أن المترجم عن اللغة الإنجليزية يمثل 56% من الكتب، والفرنسية 14%، والألمانية 10%، والروسية 10%، أما اللغات الأخرى فبلغت 10% من الأعمال المترجمة.
هذه النسب تعنى أن أكثر من نصف ما يترجم إلى العربية يأتى من الإنجليزية، وهو ما يعكس هيمنة هذه اللغة على الإنتاج المعرفى العالمى، لكن هذه الهيمنة تطرح إشكالية ثقافية فهل يطلع القارئ العربى على العالم بتنوعه الحقيقي، أم من خلال وسيط لغوى واحد؟، فنجد أن الأدب الآسيوى، على سبيل المثال لا يزال حضوره محدودًا، وكذلك الأدب الأفريقى، رغم غناهما، ما يشير إلى اختلال فى التوازن الثقافى للترجمة.
ماذا نترجم؟
تشير بيانات دراسات الترجمة إلى أن الأدب يحتل النسبة الأكبر من الترجمات العربية «نحو 38 لـ 42%»، من أمثلتها «كافكا على الشاطئ» هاروكى موراكامى، «العطر» باتريك زوسكيند، «اسم الوردة» أمبرتو إيكو، «زوربا اليونانى» نيكوس كازانتزاكيس، «الغريب» ألبير كامو، «الطاعون» ألبير كامو، «الأخوة كارامازوف» و«الأبلة» دوستويفسكى، «مئة عام من العزلة» ماركيز، «الحب فى زمن الكوليرا» ماركيز.

دوستويفسكي
تليه العلوم الاجتماعية والإنسانية بنحو 21%، ثم التاريخ والفلسفة بنسب أقل، أمثلة «المجتمع المفتوح وأعداؤه» كارل بوبر، «مستقبل الطبيعة البشرية» يورجن هابرماس، «العنف» سلافوى جيجك، «ما بعد الحقيقة» لى ماكنتاير، «مدخل إلى الفلسفة السياسية» ويل كيمليكا، «العقل فى التاريخ» هيجل، «الفلسفة بين العلم والدين» جون هيك، «النظرية الأدبية» تيرى إيجلتون.

تيري إيجلتون
و«الأسطورة والمعنى» كلود ليفى شتراوس، «علم العلامات»، أمبرتو إيكو، «تاريخ أوروبا الحديث» جيرمى بلاك، «الحرب العالمية الثانية» أنتونى بيفور، «العرب.. تاريخ موجز» فيليب حتى، «الجغرافيا السياسية للعالم» إيف لاكوست، «القاهرة فى الحرب العالمية الثانية» أرتميس كوبر.
و«تاريخ روسيا» نيكولاس رياسانوفسكى، «الإمبراطوريات البحرية» روجر كروولى، «أوروبا بعد الحرب» تونى جودت، «تاريخ الصين الحديث» جون كينج فيربانك، «تاريخ الشرق الأوسط الحديث» وليام كليفلاند، «تاريخ موجز للزمان» ستيفن هوكينج، «الكون الأنيق» بريان جرين، «الجين.. تاريخ حميم» سيدهارتا موخرجي، الوعى» سوزان بلاكمور.

جابرييل جارسيا ماركيز
وفى الواقع العام نجد أن الروايات تهيمن على السوق، وهنا تظهر أزمة حقيقية فى زمن الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا، لا تزال الترجمة العربية متأخرة فى نقل العلوم الحديثة، وهو ما يضعف القدرة على مواكبة التطور العالمى.

سلافوي جيجك
التمويل.. من يتحكم فى المعرفة؟
الترجمة عملية مكلفة للغاية، فهى تشمل «حقوق النشر، أجور المترجمين، التحرير والطباعة»، وتشير التقديرات التى كشفتها الدراسات إلى أن 60% من الترجمة تمولها الدولة، و20% برامج دعم أجنبية، و20% دور نشر.
وهذا يعنى أن التمويل يلعب دورًا مباشرًا فى تحديد ما يترجم، فعندما تدعم دولة ما ترجمة أدبها، يزداد حضورها عربيًا، وعندما تقل ميزانيات المؤسسات، تتراجع الترجمة.

لي ماكنتاير
المترجم صانع المعنى
فى قلب هذه المراحل، يقف المترجم، ليس مجرد ناقل، بل شريك فى إعادة إنتاج النص، ومن أبرز النماذج فى هذا المجال محمد عنانى، الذى قدم ترجمات رفيعة لأعمال ويليام شكسبير، وأسهم فى تطوير نظرية الترجمة العربية، وكان عنانى يرى أن الترجمة ليست نقلًا حرفيًا، بل هى «فن تطبيقي» يتطلب نقل الروح والمعنى السياقى، محذرًا من أن الالتزام الحرفى يفسد المعنى.
كما يرى شيخ المترجمين محمد عنانى فى كتبه، مثل «فن الترجمة»، أن المترجم المحترف يجب أن يمتلك موهبة وممارسة طويلة لإنتاج نص مقبول بلغة الهدف.

محمد عناني
أزمة الترجمة العربية
ورغم الجهود، لا تزال الترجمة العربية تعانى من «ضعف الكم مقارنة بالعالم، ومحدودية التنوع الثقافى، وتراجع العلوم، وغياب استراتيجية موحدة»، كما نجد أن بعض الدول غير العربية تترجم فى عام واحد ما يعادل ما يترجم عربيًا فى سنوات، وهو ما يعكس فجوة معرفية مستمرة.
فى النهاية، الترجمة ليست فعلًا بريئًا، إنها اختيار ثقافى يعيد تشكيل الوعى العربي، ومع تسارع المعرفة عالميًا، تصبح الترجمة ضرورة لا رفاهية، لأنها الوسيلة التى تضمن بقاء الثقافة العربية داخل الحوار العالمى، فالترجمة ليست مجرد كلمات، بل جسر تعبر عليه الحضارات، أو تتأخر بدونه.

نيكوس كازانتزاكيس

يورجن هابرماس

عدد اليوم السابع













0 تعليق