العلوم والتكنولوجيا

«أول روبوت محادثة» يغير مفهوم الذكاء الاصطناعي بشكل جذري

تمثل اكتشاف الشيفرة المصدرية الأصلية لبرنامج “إليزا” – أول روبوت محادثة في تاريخ الحوسبة – حدثًا بارزًا يشبه العثور على “حجر رشيد” في عالم التكنولوجيا. بعد أكثر من خمسين عامًا من الضياع والغموض، تمكن فريق من الباحثين ومؤرخي البرمجيات من فك طلاسم هذا البرنامج الذي أسسه البروفيسور المتوفي جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا خلال ستينيات القرن الماضي.

جهود بحثية لاستعادة التراث البرمجي

على مر عقود، لم يكن بإمكان الباحثين الوصول سوى إلى مقتطفات وعينات من الحوار الخاص ببرنامج “إليزا”. ومع ذلك، أسفرت جهود الأبحاث الأرشيفية المكثفة التي قادها مؤلفو كتاب “Inventing ELIZA” عن العثور على الشيفرة المصدرية الكاملة والسيناريوهات الأصلية التي ظلت غير متاحة لمدة خمسين عامًا.

أظهرت البحث أن “إليزا” لم تكن مجرد برنامج بسيط لإعادة التكرار، بل كانت نظامًا تفاعليًا متطورًا في زمانها يعمل ضمن بيئة برمجة محادثية مبتكرة تجاوزت حقبتها بكثير.

الوثائق المكتشفة أكدت أن البرنامج صُمم لتشغيل مجموعة من السيناريوهات والشخصيات المختلفة، ولم يقتصر على شخصية “المعالج النفسي” المعروفة فقط.

أثر إليزا على التفاعل البشري

تم تسميته تيمناً بشخصية إليزا دوليتل من مسرحية بيجماليون لجورج برنارد شو، حيث كانت إليزا تلعب دورًا لغويًا تظاهريًا دون أن تفهم ما تقوله. في نفس السياق، صُممت برمجية “إليزا” لتجسيد ردود فعل لغوية دون إدراك المعنى الحقيقي مضمنة في المحادثة.

نشأ سيناريو يحاكي أسلوب المعالج النفسي “الروجي”، والذي يعتمد على إعادة صياغة كلمات المريض وتوجيه أسئلة إضافية له. مثلًا، إذا قال المستخدم “أشعر بالحزن”، كانت إليزا تجيب “لماذا تشعر بالحزن؟”.

البروفيسور وايزنباوم تفاجأ عندما اكتشف أن المستخدمين، بما في ذلك سكرتيرته، أصبحوا يتفاعلون عاطفيًا مع البرنامج بسرعة، حيث بدأوا يبوحون له بأسرارهم الشخصية، بل طلبوا منه مغادرة الغرفة ليتمكنوا من التعبير عن مشاعرهم بحرية مع “الآلة”.

هنا وُلد مصطلح “تأثير إليزا”، الذي يشير إلى الميل الفطري للبشر في إسقاط المشاعر والذكاء على الآلات لمجرد مواجهتهم لردود فعل تبدو متعاطفة.

قبل أن يتحول المستقبل

على الرغم من أن وايزنباوم هو من صمم هذا النموذج، إلا أن ردود فعل البشر تجاهه جعلته من أكبر المعارضين لتطور الذكاء الاصطناعي. كتب بوضوح أن البرنامج مصمم “لتجاهل معظم المدخلات” وكان الهدف الرئيسي من تصميمه هو “إخفاء عدم فهم الآلة لمضمون المحادثة”.

مؤلفو الكتاب يعتبرون استرجاع الشيفرة الأصلية لـ “إليزا” في زمن نموذج “ChatGPT” ونماذج اللغات الضخمة بمثابة تنبيه يجب أخذه بعين الاعتبار، فرغم التقدم الكبير للنماذج الحالية، يبقى مبدأ “الوهم اللغوي” هو المسيطر على علاقتنا بالذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق